Is owner
View only
Upload & Edit
الطبيعة في شعر ابي تمام.doc
Download
Share
Add to my account
Buy ads here

الطبيعة في شعر ابي تمام 217

















































الطبيعة في شعر
ابي تمام






داود سلمان الشويلي





الطبيعة في شعر ابي تمام 217

















































الطبيعة في شعر
ابي تمام


























الاهداء:

الى روحي امي وابي تغمدهما الله برحمته ، واسكنهما فسيح جناته 000

اقدم هذا الجهد عرفاناً بالجميل 0








































بسم الله الرحمن الرحيم


إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ


(البقرة:164)

























المـقدمة:

استمرت رحلتي مع الشعر العربي منذ ان قرأت اول ( محفوظة ) في القراءة الخلدونية للصف الاول الابتدائي ، حتى اذا وصلت الى الصف السادس الابتدائي ، احتشدت ذاكرتي بالكثير من المحفوظات والقصائد الشعرية التي كانت من مقررات المنهج الدراسي للمرحلة الابتدائية ، الا ان الشعر العربي القديم كان بعيدا عن ذائقتي الشعرية وقتذاك ، ولم اتعرف عليه الا في الدراسة المتوسطة ، مما دعاني الى ان اقضي جل وقتي في المكتبة العامة لمدينة الناصرية ، فقرأت اغلب دواوين الشعر العربي الجاهلي والاسلامي والاموي والعباسي حتى عصرنا الحديث ، قراءة دراسةٍ وامعان ، فأستهواني من الشعر الجاهلي : امرؤ القيس ، ومن الاسلاميين : كعب بن زهير ، ومن الامويين : عمر بن ابي ربيعة ، ومن العباسيين : المتنبي ، ومن العذريين : المجنون ، الا ان الشعر الذي وجد طريقه اليَّ وقتذاك ، هو الشعر الحديث ، ومنه الشعر الحر ، وخاصة جيل السياب ، فرحت اكتب قصائد على منواله ، الا ان طريق السرد ،

ابي تمام



0

واذ كان اتجاه دراستي علمياً ، فأن البحث والدراسة الاكاديمية لم تكن من اهتمامي ، انما كانت الدراسة النقدية ، هي التي اخذت مجالها الواسع في مسيرة حياتي الادبية ، فنشرت ثلا ثة كتب في النقد(1) دون ان يكون للشعر مساحة فيها ، سوى بعض الدراسات المتفرقة في الصحف والمجلات ، حتى اذا كانت دراستي في معهد صدام العالي لدراسة القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة في البصرة ، وما تتطلبه الدراسة من اعداد بحث ، فقد اخترت موضوع ،( الطبيعة في شعر ابي تمام) لاسباب منها : بُعد العهد بيني وبين هذا الشاعر ، اذ كان من ضمن قراءاتي في مرحلة الصبا، وما للطبيعة من دور كبير في حياة الانسان ، ولِما يمتلكه الشاعر من حس مرهف وروح منجذبة الى كل ما هو جميل ، ولمعرفتي البسيطة أن موضوع الطبيعة عند هذا الشاعر لم يدرس دراسة منهجية ، علمية ، فضلا عن ان هذا الموضوع من الموضوعات التي تناولها الشعر العربي قديمه وحديثه ، اذ وصف الشاعر العربي طبيعة بيئته التي عاش فيها ، وتغنى بجمالها ، وتحدث عما فيها من تأثير سلبي او ايجابي على مشاعره واحواله النفسية ، وتقرب بها ، ومن خلالها الى ممدوحه ، او ذم احد عناصرها ليؤكد هجاءه للاخر ، فوصف رحلته الى الممدوح ، وما فيها من طبيعة صحراوية واطلال ودمن وآثار عفى عليها الزمن ، تحدث عما في الصحراء من حيوان وحشي اواليف ، وكذلك عن دور عناصرها ومظاهرها في التأثير على الاشياء ، فوصف حلول الربيع ، وما يتركه من مناظر خلابة جذابة ، تثير في النفس شعوراً بحب الجمال 0

وخلاصة القول ان الشاعر العربي قد قال كلمته في الطبيعة وعناصرها وظواهرها 0

ولما كانت المناهج التي اشتغلت عليها في دراساتي عن السرديات السابقة ، هي مناهج حديثة ، الا ان المنهج الذي استهواني عند دراسة الطبيعة في شعر ابي تمام ، هو المنهج السياقي ، الموضوعي ، لكنني لم ابتعد عن بعض ما توصلت اليه الدراسات البنيوية وما بعدها من مناهج نقدية حديثة في مجال دراسة الشعر ، كذلك فقد استأنست بأفكار النقاد العرب القدامى ، كالجاحظ ، والجرجاني - خاصة - الذي ما زالت افكاره النقدية تجد صداها في مناهج النقد الحديثة ، فكان هذا البحث الذي جمعت له مجموعة من المصادر ، ووضعت له خطة عمل من خلال استشارة وهدي الدكتورسالم يعقوب يوسف ، الذي كان لي عونا في الاهتداء الى مصادر هذا البحث ، فضلاً عن المصادر التي احتوتها مكتبتي الخاصة ، وما اعارني اياها بعض الاساتذة في جامعة البصرة ، واذكر منهم : د 0 فهد محسن فرحان ، ود 0 حسين عبود حميد ، ود0 ماجد عبد الحميد الكعبي ، والاستاذ مقداد الشيخلي ، فلهم مني جزيل الشكر والامتنان 0

لقد اخذ شعر الطبيعة الكثير من اهتمام الدارسين والباحثين ، فصدرت عنه مجموعة من البحوث والدراسات ، وكانت لي خير عون في كتابة هذا البحث ، اذ نشر الدكتور سيد نوفل دراسته الموسومة (( شعر الطبيعة في الادب العربي منذ العصر الجاهلي حتى العصر الحديث ))(2) فيما قدم الاستاذ اسماعيل احمد شحاده دراسته (( وصف الطبيعة في العصر الاموي )) وتناول الدكتور احمد محمد الحوفي الطبيعة في الشعر الجاهلي في كتابة (( اغاني الطبيعة في الشعر الجاهلي )) ونشر الدكتور نوري حمودي القيسي كتابه(( الطبيعة في الشعر الجاهلي )) ودرس الاستاذ عبد الامير كاظم عيسى (( الطبيعة في الشعر الاموي )) 0 والدكتور جودة الركابي ، (( الطبيعة في الشعر الاندلسي )) ، وغير ذلك من الدراسات والبحوث والمقالات المنشورة في الدوريات العراقية والعربية التي سيرد ذكرها في هوامش البحث 0

اما دراسة الطبيعة في العصر العباسي ، فقد كتب فيها الدكتور جميل سعيد ((الوصف في شعر العراق في القرنين الثاني والثالث الهجريين )) والاسلامي والاموي والعباسي حتى عصرنا الحديث ، قراءة دراسةٍ وامعان ، فأستهواني من الشعر الجاهلي : امرؤ القيس ، ومن الاسلاميين : كعب بن زهير ، ومن الامويين : عمر بن ابي ربيعة ، ومن العباسيين : المتنبي ، ومن العذريين : المجنون ، الا ان الشعر الذي وجد طريقه اليَّ وقتذاك ، هو الشعر الحديث ، ومنه الشعر الحر ، وخاصة جيل السياب ، فرحت اكتب قصائد على منواله ، الا ان طريق السرد ،

ابي تمام



وكذلك كتاب ((الطبيعة في شعر المتنبي )) للدكتور احمد زكي ابو شادي ، و (( الطبيعة عند المتنبي )) للدكتور عبدالله الطيب و(( شعر الطبيعة في العصر العباسي الثاني )) للدكتور رشدي علي حسن ، و(( شعر الطبيعة في العصر العباسي الثالث )) للاستاذ ماجد عبد الحميد عبد الكعبي ، فيما درس الدكتور حسين عبود حميد (( الطبيعة في الشعر العراقي الحديث في النصف الاول من القرن العشرين )) 0 وكان اخر كتاب صدر يتحدث عن الطبيعة في الشعر ، هو كتاب (( مقدمة القصيدة العربية في الشعر الاندلسي )) للدكتورة هدى شوكت بهنام 0

اما المصادر الاخرى التي كانت لي عوناً في كتابة هذا البحث ، فقد كان جلها من كتب التراث العربي المحققة تحقيقاً علمياً 00 فضلاً عن دواوين الشعراء الذين استفدت من شعرهم في هذا البحث0

اما مراجع شعر ابي تمام فقد قرأت : شرح الصولي الذي يقع في ثلاثة اجزاء ، وهو المصدر الاساس في هذا البحث 0 فضلاً عن كتاب (( اخبار ابي تمام )) للصولي ، الذي تناول القسم الاكبر من حياة الشاعر 00 اما ما اعتمدت عليه من مصادر اخرى عن الشاعر المدروس في هذا البحث فقد ذكرتها في هوامش البحث وجريدة المصادر 0

الا ان ما يؤسف له ، ان كل المصادر الموجودة في المكتبة العربية - حسب علمي- لم تضم دراسة واحدة عن الطبيعة في شعر ابي تمام ، لذا اجد من المناسب ان اقول ان بحثي هذا هو رائد في هذا المجال ، ومن هذا المنطلق اجدني ارتاد مجاهل هذا الموضوع ، وكان الهدف الذي ارمي اليه ، من دراستي هذه ، هو الكشف عن استفادة الشاعر ابي تمام من الطبيعة في شعره ، وبيان كيفية تعامله مع عناصر وظواهر الطبيعة في شعره الذي يخلو الى حد ما من وصف للطبيعة وصفاً مستقلاً 0

وزعت البحث على ثلاثة ابواب 0

درست في الباب الاول :

حياة ومذهب الشاعر 0 وقسمته الى فصلين هما :

الفصل الاول : وقد احتوى على مبحثين ، درست في المبحث الاول حياة الشاعر ، فيما كان المبحث الثاني قد خصصته لدراسة مذهبه الشعري 0

الفصل الثاني : وقد احتوى هو الاخر على مبحثين ، في المبحث الاول ، وضّحت فيه كيفية استفادة الشعراء قبل ابي تمام من الطبيعة ، ومفهوم ومعنى شعر الطبيعة 0

اما المبحث الثاني ، فقد قدمت فيه لموضوعة الطبيعة في شعر ابي تمام 0

وقد وزعت الباب الثاني ، الذي كان بعنوان (( الدراسة الموضوعية لشعر الطبيعة عند ابي تمام )) على فصلين :

الفصل الاول : المتنبي ، ومن العذريين : المجنون ، الا ان الشعر الذي وجد طريقه اليَّ وقتذاك ، هو الشعر الحديث ، ومنه الشعر الحر ، وخاصة جيل السياب ، فرحت اكتب قصائد على منواله ، الا ان طريق السرد ،

ابي تمام



مخصصاً للدراسة الموضوعية لشعر الطبيعة غير الحية0 وقد احتوى هذا الفصل على ثلاثة مباحث ، درست فيها عناصر وظواهر الطبيعة السماوية ، والارضية ، غير الحية 0

الفصل الثاني : خصص للدراسة الموضوعية لشعر الطبيعة الحية(المتحركة) واحتوى هذا الفصل على ثلاثة مباحث ، قدمت فيها امثله لشعر الطبيعة الحية عناصراً ومظاهراً 0

الباب الثالث ، خصص هذا الباب للدراسة الفنية لشعر الطبيعة عند ابي تمام ، واحتوى على فصلين :

الفصل الاول : درست فيه البنية اللغوية في شعر الطبيعة عند الشاعر ، من خلال : الجناس والطباق ، بعد ان قدمت لهذه الدراسة بمقدمة عن الفرق بين اللغة الشعرية ، واللغة النثرية0

الفصل الثاني : وخصصته لدراسة بنية الصورة الشعرية لشعر الطبيعة عند ابي تمام ، وقدمت له بمقدمة عن مفهوم الصورة الشعرية ، ثم درست التشبيه والاستعارة ، كعنصرين مهمين في بناء الصورة الشعرية0

بعد ان اتممت ابواب وفصول هذا البحث ، ختمته بخاتمة بينت فيها اثر الطبيعة في شعر ابي تمام ، ومجموعة مما خرجتُ به من دراستي هذه من ملاحظات حول هذا الشعر 0

واذا كان الله سبحانه وتعالى قد خاطبنا ان نكون شاكرين افضاله ونعمه ، وان نشكر من يكون السبيل الينا في الاستفادة من هذه الافضال والنعم ، اذ من صور الاحسان (( الشكر على الاحسان لله اولاً وللبشر الذين انعم الله عليهم بتأدية الاحسان للاخرين ))(3) فلا يسعني الا ان اقدم جزيل الشكر ووافر الامتنان لمن اعانني على انجاز هذا البحث بالشكل الذي اصبح عليه ،لأستاذي الجليل الدكتور سالم يعقوب يوسف ، الذي كان وراء كل مراحل كتابة البحث ، ولما قدمه من ارشادات سديدة ، وتوجيهات عميقة الفائدة ، وما اخذت متابعته لمراحل كتابة البحث من وقته الثمين وجهده ، فكان معي الاستاذ والمشرف الدؤوب والصديق الصدوق0

شكري وتقديري لكل من ساهم في ابداء العون والمساعدة في كتابة هذا البحث ، ولزوجتي وابنائي الذين هيأوا لي اسباب الكتابة ، فكانوا اهلاً للشكر 0

واذ انهي هذا البحث ، اقول : اذا كنت مصيباً فيما كتبت فلي حسنة الاصابة ، وان اخطأت ، فلي حسنة البحث والتقصي 000 ومن الله التوفيق 0



داود سلمان الشويلي

ذي قار - مايس - 2002









































: المجنون ، الا ان الشعر الذي وجد طريقه اليَّ وقتذاك ، هو الشعر الحديث ، ومنه الشعر الحر ، وخاصة جيل السياب ، فرحت اكتب قصائد على منواله ، الا ان طريق السرد ،

ابي تمام





الباب الأول










































الفصل الأول

حياته ومذهبه الشعري
















المبحث الاول : حياته

اسمه :

هو : حبيب بن أوس بن الحارث بن قيس بن الاثج بن يحيى بن مروان بن مر بن سعد بن كاهل بم عمرو بن عدي بن عمرو بن يغوب بن جلهمة 0 (1)

كنيته :

يكنى الشاعر حبيب بن أوس بـ ( أبي تمام ) 0

نسبته :

ينتسب من جهة جده الأعلى إلى جلهمة ، وجلهمة من طيء 0 (2)


التشكيك بنسبه :

يشكك قسم من الرواة بعروبته ، ونسبته إلى طيء 00 ويجعلون منه يوناني النسب 00 وان اسم أبيه ( تدوس ) العطار (3) وقيل : (( إن أبا تمام هو الذي أبدل أسم أبيه الى " اوس "0)) 0(4) إلا إن صاحب الأغاني يؤكد على انه (( من نفس طيء صليبة )) 0 (5)

قال مفتخرا بقبيلته ، طيء :

لمّا رَأَيْتُ الأمْرَ امـــــراً جدّا وَلـــَمْ أًجِدْ مِنَ القِيام بــــُدا

لَبِستُ جِـلْدَ نِـــــمرٍ مُعــــْتدّا وَجِلْدَ ضِرْغـامٍ يـُقَدُّ قــــــَدّا

جَمعْتُ جَمْعَ العَرَب الأ شِدّا جَمْعاً يُلِدُّ الـــظّالِمَ الأ لَــــدّا

يَهدُّ أَركانَ الجِبالِ هَــــــــدّا كان تَميمٌ لأ بينا عَــــــــبْدا

وطيء قد البستني بـــــردا حتى فخرت وهزمت العبدا (6)


الا ان دليلاً واحداً على عدم ( الباب الأول










































الفصل الأول

حياته ومذهبه الشعري
















المبحث الاول : حياته

اسمه :

هو : حبيب بن أوس بن الحارث بن قيس بن الاثج بن يحيى بن مروان بن مر بن سعد بن كاهل بم عمرو بن عدي بن عمرو بن يغوب بن جلهمة 0 (1)

كنيته :

يكنى الشاعر حبيب بن أوس بـ ( أبي تمام ) 0

نسبته :

ينتسب من جهة جده الأعلى إلى جلهمة ، وجلهمة من طيء 0 (2)


التشكيك بنسبه :

يشكك قسم من الرواة بعروبته ، ونسبته إلى طيء 00 ويجعلون منه يوناني النسب 00 وان اسم أبيه ( تدوس ) العطار (3) وقيل : (( إن أبا تمام هو الذي أبدل أسم أبيه الى " اوس "0)) 0(4) إلا إن صاحب الأغاني يؤكد على انه (( من نفس طيء صليبة )) 0 (5)

قال مفتخرا بقبيلته ، طيء :

لمّا رَأَيْتُ الأمْرَ امـــــراً جدّا وَلـــَمْ أًجِدْ مِنَ القِيام بــــُدا

لَبِستُ جِـلْدَ نِـــــمرٍ مُعــــْتدّا وَجِلْدَ ضِرْغـامٍ يـُقَدُّ قــــــَدّا

جَمعْتُ جَمْعَ العَرَب الأ شِدّا جَمْعاً يُلِدُّ الـــظّالِمَ الأ لَــــدّا

يَهدُّ أَركانَ الجِبالِ هَــــــــدّا كان تَميمٌ لأ بينا عَــــــــبْدا

وطيء قد البستني بـــــردا حتى فخرت وهزمت العبدا (6)


الا ان دليلاً واحداً على عدم طائيته ) لم يرتفع الى درجة كافية من الاقناع 0(7) ويرى بعض الباحثين (( ان ابا تمام كان عربياً صريحاً ، اما نصرانيته فلا استغراب فيها لأن ابا تمام نشأ في قبيلة طيء ، وقبيلة طيء هذه كانت شديدة الاتصال بالفرس والروم في الجاهلية والاسلام )) (8) ومن هذا المنطلق يمكن فهم قصيدة مخلد بن بكار الموصلي التي هجاه فيها ، اذ يؤكد على عروبة الشاعر ، وفي الوقت نفسه يشكك فيها ، الا ان تأكيداته اكثر من تشككه 0 قال ابن بكار :

انت عندي عربــــي الـ أصل ما فيك كــــلام

عربي عربــــــــــــــــي أجأي ما تــــــــــرام

شعر فخذ يك وساقيــــ ـك خزامـــــى وثمام

وضلوع الشلو من صد رك نـــــــــبع وبشام

وقــذى عــــينيك صمغ ونواصيك ثـــــــــغام

وظباء مـخــــــــصبات ويرابيع عـــــــــظام

انا ما ذنبي ان خـــــــا لفني فيك الا نـــــــام

واتت منك سجايــــــــا نبطيات 00 لـــــئـام

وقفا يحلف أن مــــــــا عــــرقت فيه الكرام

ثم قالوا جاســــــــــمي من بني الانباط خام

كذبوا !! مـــــا انت الا عربي ما تـــــــضام

بيته ما بين ســــــلمى وحواليه ســــــــلام

وله من ارث آبــــــــــا ء قسي وســــــــهام

ونخــــــــــيل باسقات قد دنا منها ضــــرام

انت عندي عـــــــربي عربي و الســـــــلام (9)

وهناك ثلاثة اراء في هذا التشكيك ، فمن الرواة وبعض الباحثين يرى ان ابا تمام عربي النسب صليبة ، كما ذكرنا ذلك ، ومن الباحثين المعاصرين من يرى انه عربي من طيء الا انه نصراني الديانة (10) وقد اسلم دون عائلته ،اما الرأي الثالث ، فيرى انه يوناني الاصل (( أي من أصل رومي )) (11) ، ويقول الدكتور مصطفى الشكعة (( ان اسرة تخرج شاعرين اخوين في وقت واحد يصعب من جهة نظر الكثرين ان تكون نبطية )) (12)0 وليست قصيدته التي تحدث فيها عن صداقته لعلي بن الجهم (13) بدالة على هروبه من رباط الشاعر بقبيلته ، ولم تكن سببا لطعن الطاعنين بنسبه 0

اما الباحث فيرى بعد تفحص هذه الروايات ، ان ابا تمام عربي نصراني من قبيلة طيء التي تذكر الروايات ان قسماً من عوائلها كان نصرانياً 0

ولادته :

ولد ابو تمام سنة تسعين ومائة للهجرة (14) 0 في قرية ( جاسم ) وهي قرية فلاحية 00(( وقد ورد في شعره وصف لتلك القرية وحياة الفلاحين فيها )) 0 (15)

قال في قصيدة لهLIGN=RIGHT>يَهدُّ أَركانَ الجِبالِ هَــــــــدّا كان تَميمٌ لأ بينا عَــــــــبْدا

وطيء قد البستني بـــــردا حتى فخرت وهزمت العبدا (6)


الا ان دليلاً واحداً على عدم < :

سقى الرائح الغادي المـــهجر بلــدة سقتني انفاس الصبابة والــــــــــخبل

سحابا اذا القت على خلـفه الــــصبا يــداً قالت الدنيا اتى قاتل المــــــــــحل

اذا ما ارتدى بالبرق لم يزل النـــدى له تبعاً يرتدي الروض بالبـــــــــــــقل

اذا انتشرت أَعلامه حوله انــــطوت بطون الثرى منه وشيكاً على حـــــمل

ترى الارض تهتز ارتياحاً لوقــــعه كما ارتاحت البكر الهدي الى البـــــعل

فجاد دمشقاً كلها جـود أَهــــــــــلها بأَنفسهم عـند الكريهة والــــــــــــــبذل

سقاهم كما اسقاهم في لظى الوغى ببيض صفيح الهند والسُّحر 00الذبـل

فلم تبق من ارض البقاعين بــــقعة وجاد قرى الجولان بالمسبل الــــــوبـل

بنفسي ارض الشام لا ايمن الحمى ولا ايسر الدهنا ولا وســـــــــط الرمـل

ولم أَر مثلي مستهاماً بـــــــــمثلكم لـــــــــــه مثل قلبي فيه ما فيه لا يغلـي (16)


وفاته :

تذكر المصادر إن أبا تمام توفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين للهجرة 0(17) وعلى الرغم من اختلاف الروايات ، إلا إنه من المعروف ، إن أبا تمام قد عاش اربعين سنة وقد توفي في الموصل، وما زال قبره قائماً هناك 0 وقد رثاه الوزير محمد بن عبد الملك الزيات في قصيدة قال فيها :

نبأ آتى من اعــظم الأنباء لـــــــــــــما ألــــم مـقلقل الأحشـــاء

قالوا حبيب قد ثوى بخاتم فأجبتهم ناشدتكم لا تجعـلوه الطائي

ورثاه الحسن بن وهب،قائلاً :

فجـــع القريض بخاتم الشعراء وغدير روضتها حبيب الطائي

ماتا معا فتجاورا فـــــي حفرة وكــــــذلك كنا قبل في الأحياء (18)

وقال يرثيه ثانيه :

سقت بالموصل القبر الغريبا ســـحائب ينتحبن لـــــه نـحيبا

اذا اطلعنــــه اطلــــعن فيـــه شعيب المزن منبعثاً شــعيبـــا

ولطمت البروق لها خـــدوداً وشقـقـت الرعـــود لها جيوبا

فأن تراب ذاك القبر يحـــوي حبيبا كان يدعـــــى لي حبيبـا (19)





صفاته :

كان ابو تمام (( طوالاً ، وكانت فيه تمتمة يسيرة ، وكان حلو الكلام فصيحاً ، كأن لفظه لفظ الاعراب )) 0 (20) وقال ابن رشيق القيرواني : (( وكان في حبيب حبسة شديدة )) 0 كان يحافظ على زي الاعراب في ملبسه 0 (21)

يقول صاحب ( البداية والنهاية ) : (( كان موصوفاً بالظرف وحسن الأخلاق ( 000 ) وكان يقال في طيء ثلاثة حاتم في كرمه وداود الطائي في زهده وأبو تمام في شعره وقد كان الشعراء في زمانه جماعة فمن مشاهيرهم أبو الشيص ودعبل وابن أبي قيس وكان أبو تمام من خيارهم ديناً وأدباً وأخلاقاً)) 0 (22) وقد وضع أبو تمام معياراً لعلاقته بالناس ، وخاصة الأدباء منهم في قصيدة يخاطب بها الشاعر علي بن الجهم ، فقال :

إن يكد مطرف الإخـــــاء فأننا نغدو ونسري في إخاء تالد

أو يختلف ماء الوصال فماؤنا عـذب تحدر من غمام واحد

أو يفترق نسب ، يـؤلف بيننا أدب اقـمناه مـــــــقام الـوالد (23)

اما الدكتور البصير فيذكر ان من ابرز صفات الشاعر : (( المجون ، والتبذير ، والغلو في الاستجداء ، وحب الاسفار ، وحدة الذكاء ، وقوة الحافظة )) (24 ) فيما يقول عمر فروخ : (( اما اخلاقه فكانت اخلاق شاعر عباسي ، غير انه لم يكن متهتكاً ، بل كان يأتي ملذاته في ستر )) 0 (25)


حياته :

لم تكن سنوات طفولته وصباه ويفاعته التي قضاها في قريته ( جاسم ) وفي مدينة دمشق معروفة التفاصيل ، ومعلمة المحطات (26) ، وكان رحيله إلى مصر – التي أقام فيها خمس سنوات – دون أسباب معروفة ، ومن ثم استقراره في الفسطاط ، في جامع عمرو بن العاص ، وعمله في السقاية 0 وقد أفاده العمل كسقاء في الجامع ، فحضر حلقات الدرس فيه ، إذ نزل شاعرنا مصر (( بنفس وثابة ، وقلب ذكي ، وعلم بالقراءة ، والكتابة ، وشيء لا نعرف قدره من الإلمام بصناعة الحياكة او القزازة ، فلم يلبث ان جرى لسانه بالشعر ( 000 ) كان يتردد على جامع عمرو ، فيسمع من أساتذة اجلاء يطفئون ظمأه إلى العلم ، ويطفأ ظمأهم إلى الماء ، نزلها حائكاً وقذفت به اشعر شعراء العربية على الإطلاق )) 0 (27)

وبعد سنواته الخمس في مصر – التي بدأت فيها شاعريته – ترك مصر إلى حمص ، وهناك عند آل عبد الكريم الطائيين ، تعرف على شاعرهم عتبة بن أبي عاصم ، فكان منافساً له في مدحهم، فأغضب عتبة ذلك ، وهجاه كما هجى آل عبد الكريم بعد ان خسر منزلته عندهم 0

لم تذكر الروايات ، السنوات التي قضاها ابو تمام في حمص ، التي غادرها إلى بغداد (28) حيث التقى بالشاعر دعبل الخزاعي ، الذي كان من ابرز شعراء زمانه ، إلا ان المنافسة جعلت العداوة بينهما قائمة حتى وفاة أبي تمام 0

وتذكر الروايات اسفاره المتصلة ، وكذلك شعره ، اذ يقول في احدى قصائده :

عامي وعام العيس بين وديقة مســجورة وتنوفة صيخود

حتى اغادر كل يوم بــــالفـــــلا للطير عيداً من بنات العيد (29)

ويقول كذلك :

خليفة الخضر من يربع على وطن في بلدة فظهور العيس اوطاني (30)

اذ صير من نفسه خليفة للخضر الحي الذي يطوف في البلدان ، وان ظهور العيس هي موطنه ، لكثرة ترحاله 0

وقد اوجد له من خلال رحلاته ، علاقات وثيقة مع الكثير من القادة والامراء والوزراء والولاة الذين مدحهم في شعره 0 وقد رافق الخليفة المعتصم اثناء حملته على الروم ، التي تم فيها فتح عمورية 0 وقد خلد ابو تمام هذه المعركة في واحدة من اروع قصائد الشعر العربي ، التي يقول في مطلعها :)) 0 (20) وقال ابن رشيق القيرواني : (( وكان في حبيب حبسة شديدة )) 0 كان يحافظ على زي الاعراب في ملبسه 0 (21)

يقول صاحب ( البداية والنهاية ) : (( كان موصوفاً بالظرف وحسن الأخلاق ( 000 ) وكان يقال في طيء ثلاثة حاتم في كرمه وداود الطائي في زهده وأبو تمام في شعره وقد كان الشعراء في زمانه جماعة فمن مشاهيرهم أبو الشيص ودعبل وابن أبي قيس وكان أبو تمام من خيارهم ديناً وأدباً وأخلاقاً)) 0 (22) وقد وضع أبو تمام معياراً لعلاقته بالناس ، وخاصة الأدباء منهم في قصيدة يخاطب بها الشاعر علي بن الجهم ، فقال :

إن يكد مطرف الإخـــــاء فأننا نغدو ونسري في إخاء تالد

السيف اصدق انباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب

اما عن حياته الخاصة ، فقد ذكرت الروايات ان الشاعر قد تزوج (( امرأة توفيت وشيكاً صغيرة السن فرثاها 0 كذلك كانت له جارية ، بمعنى الزوج لا بمعنى الولد ، ماتت في حياته ايضا 0 وكان لأبي تمام اولاد لا نعلم من أي الزوجين هم )) 0 (31) توفي اثنان منهما في حياته ولم يبق له سوى ابنه تمام ، كما تذكر الروايات 0 (32) وقد رثىاحد ابنائه بقصيدة قال فيها :

كان الذي خفت ان يــــكونا انـــــا الى الله راجعونا

امسى المرجى ابو عـــــلي موسداً في الثرى يمينا

حين انتهى واستوى شباباً وحقـق الرأي والظنونا (33)


شيوخه :

يذكر الصولي ان ابا تمام قد تتلمذ على مجموعة من الشيوخ ، من مثل : العطاف بن هارون ، وكرامة بن ابان ، وابو عبد الرحمن بن أسماعيل الأموي ، وسلامة بن جابر النهدي ، وغيرهم0 (34) ويؤكد عمر فروخ قائلاً : (( قد يكون هؤلاء شيوخاً لابي تمام تلقى العلم والادب عليهم وتخرج على ايديهم ، وقد يكونون شيوخاً اتفق ان سمع ابو تمام منهم حديثاً بعد حديث وكتب عنهم املاء بعد املاء)) (35) 0


كتبه :

وذكرت المصادر ان ابا تمام قد الف الكثير من الكتب التي هي عبارة عن مختارات شعرية من الشعر العربي القديم منها : ديوان الحماسة ، والوحشيات ، وكتاب فحول الشعراء ، وكتاب الاختيار من شعر القبائل ، وكتاب الاختيار القبائلي الاصغر ، وكتاب اختيار المقطعات ، وكتاب مجرد في اشعار المحدثين 0 (36)


عمله :

عمل شاعرنا فلاحاً في قريته ( جاسم ) ، وحائكاً ( وقيل قزازاً ) ، وقد قال ابن عساكر : (( رأيت ابا تمام الطائي حبيب بن اوس بدمشق غلاماً يعمل مع قزاز وكان ابوه خماراً بها )) (37) ثم سقا في الفسطاط ، ومن بعد ذلك اخذ منه الترحال مأخذاً طويلاً ، حتى اذا ما وصل الى ما وصل اليه من شهرة ، قلد بريد الموصل وكانت كل أراضي الدولة العربية الاسلامية هي موطناً له، وقد افصح في قصيدة له بهذا المعنى ، اذ قال :

بالشام اهلي وبغداد الهوى وانــــا بالرقمين وبالفســـطاط اخواني

وما اظن النوى ترضى بما صنعت حتى تشافه بي اقصى خراسان (38)


ذكاؤه وحافظته وثقافته :

من الامور المسلم بها ، ان للذكاء دور كبير في تنمية الملكة الشعرية عند الشعراء ، إذ من خلاله يمكن للشاعر أن يضع نفسه موضع الناقد الفاحص ، ليس لأشعاره فحسب ، وإنما لأشعار الاخرين لكي يعرف سمين الشعر من غثه ، وكذلك الشأن بالنسبة للحافظة ، اذ انها مستودع الذخيرة التي يحتاجها الشاعر في الدربة على كتابة الشعر وتجويده 0 وقد كان لأبي تمام ذكاء وقاد وحافظة قوية ، اذ ذكر عنه انه كان يحفظ مائة ألف مقطوعة ، أو (( أربعة عشر ألف أرجوزة غير المقاطع والقصائد)) وقد نقل الرواة أخباراً تؤكد هذا 0 (39) كان موصوفاً بالظرف وحسن الأخلاق ( 000 ) وكان يقال في طيء ثلاثة حاتم في كرمه وداود الطائي في زهده وأبو تمام في شعره وقد كان الشعراء في زمانه جماعة فمن مشاهيرهم أبو الشيص ودعبل وابن أبي قيس وكان أبو تمام من خيارهم ديناً وأدباً وأخلاقاً)) 0 (22) وقد وضع أبو تمام معياراً لعلاقته بالناس ، وخاصة الأدباء منهم في قصيدة يخاطب بها الشاعر علي بن الجهم ، فقال :

إن يكد مطرف الإخـــــاء فأننا نغدو ونسري في إخاء تالد

وقد حفل كتاب ( أخبار أبي تمام ) بالأمثلة الكثيرة التي تدل على قوة هذه الحافظة وسرعة البديهة 0

نقل الصولي عن البحتري قوله : (( أول ما رأيت أبا تمام مرة ما كنت عرفتها قبلها ، إني دخلت على أبى سعيد محمد بن يوسف وقد امتدحته بقصيدتي التي أولها :


أأفاق صب من هوى فأفيقا أو خان عهدا أو أطاع شقيقا

فأنشدته إياها ، فلما أتممتها سر أبو سعيد بها ، وقال : أحسن الله إليك يا فتى ! فقال له رجل في المجلس ، هذا – أعزك الله – شعر لي ، علقه هذا الفتى فسبقني به إليك ، فتغير وجه أبى سعيد ، وقال : قد كان في نسبك وقرابتك ما يكفيك ان تمت به إلينا ، ولا تحمل نفسك على هذا ، فقلت : هذا شعر لي أعزك الله ، فقال الرجل : سبحان الله يا فتى ، لا تقل هذا 0 ثم ابتدأ فانشد من القصيدة أبياتاً ، فقال لي أبو سعيد : نحن نبلغ ما تريد ولا تحمل نفسك على هذا ، فخرجت متحيراً لا أدري ما أقول ، ونويت ان أسأل عن الرجل من هو ؟ فما أبعدت حتى ردني أبو سعيد ثم قال : جنيت عليك فأحتمل ، أتدرى من هذا ؟ قلت : لا ، قال : هذا ابن عمك حبيب بن أوس الطائي أبو تمام ، فقم إليه ، فقمت إليه فعانقته ، ثم اقبل يقرضني ويصف شعري ، وقال : إنما مزحت معك ، فلزمته بعد ذلك ، وكثر عجبي من سرعة حفظه )) 0(40)

وكان حاضر البديهة ، شديد الفطنة ، لهذا فهو عندما وصل في إنشاده أمام احمد بن المعتصم قصيدته السينية التي مدحه فيها إلى :


إقدام عمرو في سماحة حاتم في حلم أحنف في ذكاء اياس

قال له الكندي ، وكان حاضراً أراد الطعن عليه : الأمير فوق من وصفت ، فأطرق قليلاً ، ثم زاد في القصيدة بيتين لم يكونا فيها :

لا تنكروا ضربي له من دونه مـثلا شرودا في الندى والباس

فالله قد ضرب الأقـل لنــــوره مثـلا من المشــكاة والنــبراس

قال : فعجبنا من سرعته وفطنته 0 (41) وفي رواية (( فقال الوزير للخليفة أي شيء طلبه فأعطه))0(42)

ويكفيه ذكاء وفطنة ، رده على أبى سعيد الضرير الذي سأله قائلاً : (( يا أبا تمام لم لا تقول من الشعر ما يفهم ؟ )) فأجابه قائلاً : (( وانت يا أبا سعيد لم لا تفهم من الشعر ما يقال )) 0 (43)

اما عن ثقافته ، ففضلاً عن الدور الكبير لمسجد الفسطاط في ذلك- اذ حصل من دروسه على علوم اهلته ان يكون من الشعراء المثقفين ، فأمتلاً شعره بالكثير منها- الا ان لحياته دوراً ايضا ، اذ جعل (( من الحياة مدرسه ومن كتب الاقدمين مدرسه اخرى ، يأخذ من الاولى بأسباب التجربة ومن الثانية بما يصقل شخصيته الادبية وملكته الشعرية ، واصبح راوية للقديم من الاشعار والطريف من الاخبار )) (44) لهذا نراه قد سجل مختارات محفوظاته من الشعر العربي في كتsize: 13pt">( 000 ) وكان يقال في طيء ثلاثة حاتم في كرمه وداود الطائي في زهده وأبو تمام في شعره وقد كان الشعراء في زمانه جماعة فمن مشاهيرهم أبو الشيص ودعبل وابن أبي قيس وكان أبو تمام من خيارهم ديناً وأدباً وأخلاقاً)) 0 (22) وقد وضع أبو تمام معياراً لعلاقته بالناس ، وخاصة الأدباء منهم في قصيدة يخاطب بها الشاعر علي بن الجهم ، فقال :

إن يكد مطرف الإخـــــاء فأننا نغدو ونسري في إخاء تالد

0

وقد اتسعت مصادر ثقافته اتساعاً واسعاً ، لهذا نراه (( لم يكتف بالجديد لانه جديد وجيد بل رجع الى النبع الأصيل من حصيلة التراث القديم المتمثلة بالقرآن الكريم ، والتاريخ العربي ، وما فيه من اخبار وحوادث ، وبطولات وامجاد ، وعاد الى الشعراء القدامى ليستقي من اخبارهم ما يشاء ، وينهل من جديد اشعارهم ليحفظ منه الرائع والنادر ، ثم عاد الى ثقافة عصره المتمثلة بالفلسفة والمصطلحات العلمية ، و مختلف عقائد الفرق وحاول فهمها والتعرف عليها غير معرض عن عقائد العوام او اساطيرهم التي يؤمنون بها ، وغير مهمل ايضا لتقاليد الجماعة الكبيرة من العامة 0 )) 0 (45)

وكان أبو تمام ، عارفاً بجيد الشعر ورديئه ، اذ يمكن ان نعده واحداً من نقاد الشعر وقتذاك ، على الرغم من انه لم يكتب كتاباً واحداً في هذا الباب ، الا انه جمع مختارات من الشعر العربي تدل دلالة كافية على الروح النقدية التي يتمتع بها 0 وقد اثنى الآمدي على سعة اطلاع ابي تمام في الشعر العربي ، وقدرته الفائقة على تقييم ذلك الشعر ، اذ قال : (( كان ابو تمام مشتهراً بالشعر مشغوفاً به ، مشغولاً مدة عمره بتبحره ودراسته)) 0 (46)

وقال الحسن بن رجاء : (( ما رأيت احداً قط اعلم بجيد الشعر قديمه وحديثه من ابي تمام )) 0 (47)



المبحث الثاني : مذ هبه الشعري :


لقد طرأ التجديد على الشعر العربي منذ ان عاب ابو نواس على الشعراء الوقوف على الاطلال ، في قصيدته التي يقول فيها : (1)


عاج الشقي على رسم يسائله ورحت اسأل عن خمارة البلد


او في قوله :


لتلك ابكي ، ولا ابكي لمنزلة كانت تحل بها هند واسماء


وقبله ، قال عمر بن ابي ربيعة :


افي رسم دار دمعك المترقرق سفاها ، وما استنطاق ما ليس ينطق (2)


كان ابو نواس يدعو الشعراء الى ان يصوروا الحياة (( والا يغني المحدثون بحناجر القدماء 0 وهذا المذهب ان لم تتم سيادته في هذا العصر فقد ساد من بعد ، وعبر عنه في قوله :


صفة الطلول بلاغة الــــــــــقدم فأجـــعل صفاتك لأ بنة الكرم

لاتخدعن عن التي جـــــــــعـلت سقم الصحيح وصحة الجسم

تصف الطلول على السماع بـها اخذوا العيان كأنت في الحكم !

واذا وصفت الشيء مـــــــــتبعا لم تخـــــل من غلط ومن وهم (3)


فكان تجديد ابو نواس – وكذلك مسلم بن الوليد وبشار بن برد – في الشكل ، اذ استبدل المقدمة الطللية ، بالدخول في الغرض الشعري مباشرة 0 لانها دعوة الى (( لمس الحياة النابضة في مجتمعات المدن الصغيرة والكبيرة – والتي لم يستطع شعراء المدن السابقين لهم كحسان وامية بن الصلت على سبيل المثال ان ينتبهوا له ، وانما ظلوا طلليين تحت هيمنة امريء القيس والنابغة ، اضافة لأنعدام شعرهم من الظعينة – أي هي صورة لتمثل الحياة في تلك الانحاء بعيداً عن الصحاري والفيافي 0 اذ انتقل المجتمع العربي ، بعد الدعوة الاسلامية الى ان يكون مجتمعاً حضرياً وان متطلبات هذا المجتمع تختلف عنها متطلبات المجتمع الذي كان )) 0 (4) )) (44) لهذا نراه قد سجل مختارات محفوظاته من الشعر العربي في كتsize: 13pt">( 000 ) وكان يقال في طيء ثلاثة حاتم في كرمه وداود الطائي في زهده وأبو تمام في شعره وقد كان الشعراء في زمانه جماعة فمن مشاهيرهم أبو الشيص ودعبل وابن أبي قيس وكان أبو تمام من خيارهم ديناً وأدباً وأخلاقاً)) 0 (22) وقد وضع أبو تمام معياراً لعلاقته بالناس ، وخاصة الأدباء منهم في قصيدة يخاطب بها الشاعر علي بن الجهم ، فقال :

إن يكد مطرف الإخـــــاء فأننا نغدو ونسري في إخاء تالد

اما تجديد ابي تمام فقد تناول الصورة الشعرية من خلال استعماله المفرط للأساليب البديعية المعروفة ، اذ ان الاستعمارة والكناية والطباق 000 الخ ، كانت معروفة قبله ، وانطلاقاً من هذا كان عيب ابن الرومي له ، الذي قال عنه : (( ان ابا تمام كان يضحي بالمعنى الجليل من اجل ان يقع على استعارة او جناس او طباق )) (5) الا ان ما اضافة من تجديد – غير الافراط باستخدام المحسنات البديعية – هو في الباس صوره الشعرية التصورات الفلسفية والتأملات الفكرية ذات النزعة الفلسفية العميقة ، تلك التصورات والتأملات الفلسفية التي أخذها من فلسفة عصره ذي النزعة العقلية المبنية اساسا على فلسفة وفكر المعتزلة ابان خلافتي المأمون والمعتصم 0 (6)

وعن هذا التجديد ، قال الاستاذ احمد امين : (( خرج على الناس بنوع جديد من الشعر أخرجه من رأسه لا من قلبه ، فهو يغوص على المعاني العقلية غوصاً ، ثم يرفعها الى السماء ، وعمل فيها خياله البعيد ، ويختار لها الالفاظ ، ويعني ببديعها وجناسها ، فتم له من معانية العميقة الى القاع ، وخياله المرتفع الى السماء ، والفاظه المتجانسة المزوقة ، نوع جديد من الشعر لم يسبق اليه ، نعم ان كل جزئية من هذه الجزئيات قد سبق اليها ، فقد سبقه مسلم بن الوليد بكثرة البديع والجناس في شعره ، وسبقه ابو نواس وبشار بكثرة المعاني وغزارتها ، ولكن كل هذه الجزئيات – مبالغاً فيها – لم تجتمع لأحد قبل ما اجتمعت لأبي تمام )) 0(7)

ان الاخبار التي رويت عنه ، وقد اثبتنا القليل منها في السطور السابقة عن ذكائه وقوة حافظته ، فضلاً عما تركه لنا من مختارات (8) تدل على سعة اطلاعه وجودة اختياراته ، مما جعل من قول الشعر عنده ( صنعة ) (9) فهو شاعر متمكن ، خلص شعره الى ان يكون طريقة مبتدعة ومعان كاللؤلؤ متبعة في الشعر العربي ، قال عنها ابو العلاء المعري : (( يستخرجها من غامض بحار ويفض عنها المستغلق من المحار )) 0 (10)

وذكر الصولي في اخباره : (( هو رأس في الشعر مبتديء لمذهب سلكه كل محسن بعده فلم يبلغه فيه حتى قيل : مذهب الطائي )) 0 (11)

وقد بين الشاعر – نفسه – مواصفات قصائده ، وما تحمله من افكار ومعاني جديدة ، اذ كل ما في قصائده اصيل ، لا سرقة فيه ، فيقول في احدى قصائده :


منزهة عن السرق المورى مكرمة عن المعنى المعاد (12)


ويصف قصيدته ، بهذه الابيات التي تبين ان شعره يتصف بالرقة والاصالة :


احفظ وســـــــائل شعر فيك ما ذهبت خواطف البرق الا دون ما ذهـــــــــبا

يغدون مغتربات في الـــــــبلاد فــما يزلـــــن يؤنسن في الآفــــاق مغتريا

ولا تضعها فما في الارض احسن من نظم القوافي اذا ما ما صادفت حسبا (13)


وقوافيه ،هي جديدة :


هذي القوافي قد اتينك نزعــــا تتجشم التجهير والتغـلـــــيــسا

من كل شاردة تغادر بعدهــــــا حظ الرجال من القصيد خسيسا

وجديدة المعنى اذا معنى الـتي تشقى بها الاسماع كان لبيـــسا

تلهو بعاجل حسنها وتعدهـــــا عــــــلقا لاعــجاز الزمان نفيسا

من دوحة الكلم التي لم تنــفكك يـمسي عليك رصينها مـحبوسا

كالنجم ان سافرت كان مواكــبا واذا حططت الرحل كان جـليسا (14))) 0 (4) )) (44) لهذا نراه قد سجل مختارات محفوظاته من الشعر العربي في كتsize: 13pt">( 000 ) وكان يقال في طيء ثلاثة حاتم في كرمه وداود الطائي في زهده وأبو تمام في شعره وقد كان الشعراء في زمانه جماعة فمن مشاهيرهم أبو الشيص ودعبل وابن أبي قيس وكان أبو تمام من خيارهم ديناً وأدباً وأخلاقاً)) 0 (22) وقد وضع أبو تمام معياراً لعلاقته بالناس ، وخاصة الأدباء منهم في قصيدة يخاطب بها الشاعر علي بن الجهم ، فقال :

إن يكد مطرف الإخـــــاء فأننا نغدو ونسري في إخاء تالد


ويقول :


تغاير الشعر فيه اذ سهرت له حتى ظننت قوافيه ستقتتل (15)


ويمكن التمثيل بالكثير من شعره الذي يصف فيه قصائده (16) 0 فأبو تمام ينظر الى شعره (( نظرة جديدة او بالاخرى يتبنى نظرية جديدة هي نظرية المعى ثم اللفظ ( 000 ) انها فيض العقول ، وهي المعنى الجديد غيرالمعاد ، وهي الغريبة المغتربة لجدتها المؤنسة لكل غريب ، وهي المعنى البكر ، وهي ابنة الفكر المهذب في الدجى )) (17) 0

و تجديده ، قد قيل الكثير عنه ، اذ نجد احد الباحثين المعاصرين يتساءل قائلاً : هل الذي صنعه ابو تمام تجديد استوعب روح العصر ؟

فيجيب قائلاً : (( والسؤال الذي وضعه هؤلاء الباحثون كان تحميلا – في رأيي – للامور اكثر مما تحتمل ، اذ لم يكن بوسع المحدثين بصورة عامة ، وابي تمام بصورة اخص ، ان يصنعوا اكثر مما صنعوا ، ولم تكن بهم حاجة الى ان يصنعوا غير ما صنعوا )) والسبب كما يرى هذا الباحث ، هو ان (( وظيفة الشاعر التي اختطها شعراء الجاهلية والعصر الاموي ، لم تتبدل في المجتمع العباسي تبدلاً كلياً ، بل ان حياة المجتمع العباسي لم تدع الشاعر الى ان يعيد النظر في وظيفته ، وازاء هذا فلم يستجد مضمون في القصيدة العباسية يبلغ من الغرابة بحيث يستدعي شكله الجديد ، اذ كان الشعراء يحاولون بوجه عام ان يقولوا الافكار القديمة في صياغة جديدة ، وبخاصة عند أبي تمام ، وكانت محاولتهم تلك طبيعية تنسجم مع ظرفهم الحضاري ))0 (18)

وقد امتاز هذا المذهب – الذي يذكر احد دارسي شعر ابي تمام ، على انه مذهب الشاميين – بخصائص كثيرة 0 (19)

الا اننا سنذكر ما يخص مذهبه من خصائص ، والتي هي :

01 اكثار ابي تمام من تتبع البديع بكل الوانه اكثارا عرف به ، بعد ان كان الشعراء من قبله يتناولونه بأقتصاد وبغير تكلف (20) اذ يقول الامدي عن ذلك : (( بدائعه مشهورة ومحاسنه متداولة ولم يأت الا بأبلغ لفظ واحسن سبك )) 0(21)

اما ابن المعتز ، فقد ذكر في ( البديع ) (22) شغف ابي تمام به (( حتى غلب عليه ، وتفرع فيه واكثر منه فأحسن في بعض ذلك وأساء في بعض وتلك عقبى الافراط وثمرة الأسراف )) 0 (23)

ان تميز مذهب ابي تمام ليس في استخدامه البديع ، لأنه قد سبق بذلك ، كما يذكر أكثر شراح ونقاد شعره (24) ، فضلاً عن سبق القرآن الكريم ، وأحاديث الرسول () على الرغم من اختلاف الجنس، الا ان ما يميز مذهبه هو الأكثار من البديع وتعدد الوانه (( حتى بلغ به القمة وحتى لم يكد يخلومنه بيت من شعره )) 0 (25)

وان لأكثار ابي تمام من البديع في شعره ، كما يرى محقق الشرح ، اسباب عدة 00 اذ ان العصر العباسي – عندما جاء – حمل معه المفتاح الذي تفتحت به (( امام العرب ابواب المعارف والعلوم التي كانت لدى الأقوام الأخرى 0 وقد ساعدت الترجمة التي كانت تحظى بعناية فائقة في تدفق تلك المعارف والعلوم لكي تصب في حوض المعرفة العربية يضاف الى ذلك اتساع آفاق الحياة الحضارية امام العرب بفضل تأثرهم واحتكاكهم بشعوب الأمم الأخرى )) (44) لهذا نراه قد سجل مختارات محفوظاته من الشعر العربي في كتsize: 13pt">( 000 ) وكان يقال في طيء ثلاثة حاتم في كرمه وداود الطائي في زهده وأبو تمام في شعره وقد كان الشعراء في زمانه جماعة فمن مشاهيرهم أبو الشيص ودعبل وابن أبي قيس وكان أبو تمام من خيارهم ديناً وأدباً وأخلاقاً)) 0 (22) وقد وضع أبو تمام معياراً لعلاقته بالناس ، وخاصة الأدباء منهم في قصيدة يخاطب بها الشاعر علي بن الجهم ، فقال :

إن يكد مطرف الإخـــــاء فأننا نغدو ونسري في إخاء تالد

0 ادى ذلك الى امتزاج المعارف وتنوعها0 وقد صاحب هذا الاختلاط والامتزاج مظاهر حضارية جديدة شملت الحياة الاجتماعية تجلت في مظاهر الحياة اليومية كالمأكل والملبس والعادات 0 فكان لابد لهذا الاتساع والتنوع في المعرفة وفي مظاهر الحياة الاجتماعية ان تكون له اصداء على الحياة الادبية بصورة عامة وعلى الشعر بصورة خاصة ، ولما كان الشعر في حقيقته مظهراً من مظاهر الحياة الحضارية وتصوراً لها فلا بد له ان يصور الحياة الجديدة وأن يواكب في ادواته مظاهر الاختلاط الذي طراً على الحياة الفكرية والمادية )) 0 (26)

اما الاسباب الخاصة التي كانت وراء اكثار ابي تمام من البديع في شعره ، فيرده الدارسون الى ثقافته الواسعة التي تحصلت اساساً من : وقوفه الطويل على حلقات الدرس في جامع عمرو بالفسطاط، ورحلاته الى حواضر الدولة الاسلامية في مصر وسوريا والعراق ، ووقوفه على ما كان يدور من (( شؤون الفكر في مسائل الفلسفة والمنطق وعلم الكلام )) (27) فضلاً عما قلناه سابقاً من ذكاء وقاد وحافظة قوية 0 فأصبح ، كما يقول الجرجاني :(( قبلة اصحاب المعاني ، وقدوة اهل البديع ))0(28)

02 الحاحه على المعاني الدقيقة والافكار العميقة 0 (29) وهو القائل :


اما المعاني فهي ابكار اذا نصت ولكن القوافي عون (30)


ان ما يميز شعره في هذا الجانب ، هو علاقته بالفكر ، اكثر مما له علاقة بالخيال فقط ، وكل ذلك متأت من ثقافته الواسعة 0

ان المعاني التي يتحراها ابو تمام صادرة من (( رأس صقلتها الثقافة العميقة والمعرفة الواسعة ، ومن ثم كان شعره شعر فكرة رزينة وليس شعر عاطفة مهتزة مهتاجة 0

فأبو تمام ينظر الى الشعر نظرة جديدة او بالاحرى يتبنى نظرية جديدة هي نظرية المعنى ثم اللفظ ويعبر عن ذلك في عدد من المناسبات وعديد من القصائد 0 انه فيض العقول ، وهي المعنى الجديد غير المعاد )) 0 (31) وهذا ما اكدته قصيدته التي يقول فيها :

ولو كان يفنى الشعر افنته ما قرت حياضك منه في العصور الذواهب

ولكنه فيض العــــــــقول اذا انجلت ســـحائب مـــنه أعـقـبت بسحائب


ويقول مفتخراً بمعاني شعره :-


يقول من تطرق اسماعه كــــم ترك الاول للأخر


وقد اكد الجاحظ على هذه الفكرة ، وأعاب على الرجل الذي يقول : (( ما ترك الأول للأخر شيئا )) او كما نقول في زماننا (( لا جديد تحت الشمس )) ويستمر الجاحظ في القول : (( ما علم انه ما يريد ان يفلح )) 0 (32)

03 وقد اضاف القاضي الجرجاني ، صفة اخرى لمذهب ابي تمام فضلاً عن طلب البديع ، واجتلاب المعاني الغامضة ، وهي التعسف والتغلغل في التصعب 0 (33)

فيما يقول المرزوقي : ان ابا تمام (( معروف بالمذهب فيما يقوله مألوف المسلك لما ينظمه نازع في الابداع الى كل غاية حامل للاستعارات كل مشقة متوصل الى الظفر بمطلوبه من الصنعة اين اعتسف ، وربما عثر ، متغلغل الى توفير اللفظ وتغميض المعنى انى تأتى له وقدر )) 0 (34)

)) (44) لهذا نراه قد سجل مختارات محفوظاته من الشعر العربي في كتsize: 13pt">( 000 ) وكان يقال في طيء ثلاثة حاتم في كرمه وداود الطائي في زهده وأبو تمام في شعره وقد كان الشعراء في زمانه جماعة فمن مشاهيرهم أبو الشيص ودعبل وابن أبي قيس وكان أبو تمام من خيارهم ديناً وأدباً وأخلاقاً)) 0 (22) وقد وضع أبو تمام معياراً لعلاقته بالناس ، وخاصة الأدباء منهم في قصيدة يخاطب بها الشاعر علي بن الجهم ، فقال :

إن يكد مطرف الإخـــــاء فأننا نغدو ونسري في إخاء تالد

وقد عدد ابن الاثير معاني الشاعر المبتدعه ، فقال : (( وقد قيل ان ابا تمام اكثر الشعراء المتأخرين ابتداعاً للمعاني وقد عدت معانيه المبتدعة فوجدت ما يزيد على عشرين معنى ، واهل هذه الصناعة يكبرون ذلك ، وما هذا من مثل ابي تمام بكبير )) 0 (35)

ومن هذه المعاني المبتدعة ، قوله :


يا أيها الملك الـــــــــــنائي برؤيته وجـــــوده لمراعي جوده كثب

ليس الحجاب بمقص عنك لي املا ً ان السماء ترجّى حين تحتجب (36)


واخيراً ، قال المبرد (( ما يهضم هذا الرجل حقه إلا احد رجلين ، اما جاهل بعلم الشعر ومعرفة الكلام ، واما عالم لم يتبحر شعره ولم يسمعه )) 0 (37)
































الفصل الثاني

الطبيعة والشعر






















المبحث الاول : الطبيعة والشعر

لم تكن الطبيعة ، الا واحدة من الكلمات التي اكد الدارسون ، غموضها (1) منذ اقدم عصور التاريخ ، ذلك لاتساع مدلولها ، فتنوع وتعدد التعريف بها ، لأن ( الطبيعة ) كـ ( فكرة ) قد تناولها الكثير بالعرض والتحليل 00 وهذا ما اكده الدكتور ( كو لنجوود ) في كتابه ( فكرة الطبيعة ) 0 (2)

الا ان هربرت ريد يقول عنها ، هي : (( عملية الحياة والحركة العضوية بأكملها التي تسير في الكون ، وهي عملية تشمل الانسان ولكنها لا تكثرت بنزواته او تأثيراته الذاتية او تغيراته المزاجية )) 0 (3)

اذن ، فمفهوم الطبيعة ، هو مفهوم فيزيائي ، وليس مفهوماً سيكلوجياً ، الا ان التفاعل الذي يحصل بين الانسان ، وهو يعيش في كنفها و معها – او مع احد عناصرها او ظواهرها – يحول مفهوم الطبيعة ، مما هو فيزيائي ، الى ما هو سيكولوجي ، أي من الموضوعي الى الذاتي 0

وقد وقفت الطبيعة على مر العصور – وحتى يومنا هذا – موقفاً معادياً من الانسان ، مما دفعه الى ان يبذل الجهود للسيطرة عليها 00 وكان له ما اراد في اكثر من موضع ، واتجاه منها 0

وعلى الرغم من هذا الموقف السلبي منها تجاه الانسان ، الا انه ظل يعيش وسطحها ، لا لأن الجميع – الانسان واهم في قصيدة يخاطب بها الشاعر علي بن الجهم ، فقال :

إن يكد مطرف الإخـــــاء فأننا نغدو ونسري في إخاء تالد

(( الانسان نتاج الطبيعة )) كما يقول ( مارك هام ) (4) ، وانما لأنه بحاجة اليها 00 تلك الحاجة الموضوعية والذاتية على السواء 00 لهذا نراه يحاول ، ومنذ القدم ، على ترويضها ، لأنه لا يستطيع الاستغناء عنها ، وفي الوقت نفسه ، راح يتعايش معها ، ليس بما هو ظاهري فحسب ، بل تعداه الى ماهو باطني ، من خلال الشعور بها داخل ذاته ، فأصبحت بالنسبة له موضوعاً خارج ذاته وفي الوقت نفسه ، شعوراً تملك ذاته وانطلق منها 00 حتى وصل ببعض الدارسين الى اعتبار الطبيعة – بعناصرها ، وخاصة الصحراء والمناخ الحارو المحل والجدب – بالنسبة للشعراء العرب ، احد المؤثرات الاساسية في بناء القصيدة العربية من جهة ، و وحدة البيت ، والتكرار من جهة ثانية 0 (5)

هذه العلاقة الجدلية بين الذات والموضوع ، والتي ربطت الانسان بالطبيعة قد افادته كثيراً ، اذ استمد منها (( كينونة وحيوية وجودة 0 وكل محاورة له معها هي محاولة لأكتشاف ذاته هو ، من خلال شحنها بالرموز والدلالات التي تبعث فيها الحيوية وتوقظ في جسدها الروح النائمة ، التي تجعل الانسان يشعر بأنها بدأت تخرج من لا مبالاتها وعدم اكتراثها )) 0 (6)

وهذا مفهوم عام لها ، الا اننا يمكن ان نفصّل ذلك ، ونحن نتناول تأثيرها في حياة الانسان ، والانسان الشاعر خاصة 0

فالطبع في اللغة هو : السجية التي جبل عليها الانسان وهو في الاصل مصدر والطبيعة مثله 0 وكذا الطباع بالكسر 0 (7)

واذا كانت هذه التعريفات لا توصلنا الى حقيقة مفهوم الطبيعة في الشعر ، كونها لغوية خالصة ، وليست مفهومية ادبية ، الا ان الدارسين والباحثين في الادب والشعر ، قد توصلوا الى مفهوم لما يمكن ان نصطلح عليه بـ ( شعر الطبيعة ) بالرغم من وجود وشيجة تربط هذه المعاني والمفهوم المقصود ، وهي ( السجية والخلقة ) أي الفطرة 0 (8)

واذا تجاوزنا حدود الانسان في هذا التعريف ، يمكن القول ، ان هذه الفطرة تشمل كل مخلوقات الله سبحانه وتعالى ، الحية وغير الحية ، مما يجعلها تقع ضمن مفهوم ( الكون ) (( والطبيعة عند فلاسفة اليونان تعني العالم والكون ، وتنقسم عندهم الى احياء وجمادات )) 0 (9)

اذ يمكن القول ان ( الطبيعة ) ما هي الا مجموع عناصرها وتجليات تلك العناصر في ظواهر محسوسة ، او غير محسوسة من قبل الانسان ، من امكنة ، وازمنة ، واجواء ، وما تحتويه تلك العناصر من تنوعات : كالفصول الاربعة ، وتقلباتها وتأثيراتها على الانسان ، والكواكب ، والحيوانات ، والنباتات ، وعناصر الطبيعة الاخرى ، على السواء، والكل بمثابة الآثاث بالنسبة للطبيعة 0 أي ان الطبيعة تتمثل في الكائنات الحية ، والكائنات غير الحية 0

وتأثيرات عناصر الطبيعة على الانسان ، تأخذ صوراً عدة ، فمنها ما هو تأثير بصري ، كرؤية تشكلات عناصر الطبيعة في مناظر تؤثر – سلباً او ايجاباً – في نفس وشعور الانسان ، ومنها ماهو تأثير ذوقي ، او سمعي ، وحتى التأثير اللمسي 0 اذ ان تأثيرات الطبيعة على الانسان ، منذ ان خلقهما الله () ، قائماً ، وفي الوقت نفسه ، تأثير الانسان عليها هو الآخر ما زال قائماً بأطراد 0

اما في الشعر ، فأن الطبيعة تعرّف بأنها هي : (( قسم من العالم قادر على ان يحرك في الانسان احساسه الفني )) 0 (10)

ومن هذا المنطلق يعرفها احد الباحثين ، بأنها (( ظاهر معنى هذا اللفظ )) أي (( صفات الامكنة والازمنة من اجواء وفصول وشمس واصيل وقمر وليل ونجوم والحيوان بريه و بحريه وجويه )) 0 (11)

اما بالنسبة لما نقصده بمصطلح ( الطبيعة في الشعر ) فأنه : (( الشعر الذي يمثل الطبيعة الحية والطبيعة الصامتة كما امتثلتها نفس الشاعر وجمّلها خياله )) 0 (12) أي ما يصوره الشعر من احاسيس ومشاعر انسانية متأثرة بما تجود به الطبيعة وعناصرها ومظاهرها ، وهذا ما نقصده بهذا المفهوم في بحثنا هذا دون ايراد الكثير من التعاريف والمفاهيم المكررة 0

اذن عناصر الطبيعة التي نحاول دراستها في شعر ابي تمام في بحثنا هذا ، هي كل ما يحتويه الكون من خلق الله ، الحي وغير الحي ، اما مظاهر هذه العناصر ، فهي كل ما تظهر به هذه العناصر في الكون ، كالمطر النازل من السماء ، والرعود ، وحركة الحيوانات البرية في الصحاري والفيافي 000الخ ، من المظاهر الطبيعية 0

الا ان هذا المصطلح لم يظهر في التراث النقدي العربي القديم – سوى ما كان يفهم من مصطلح الوصف – الا بعد ظهوره في أوربا بعد ظهور المذهب الرومانسي في الادب الأوربي وانتقاله الى الادب العربي 0 (13)

قال الشاعر ورد زورث : (( الطبيعة تجسيم الروح القدسي )) (14) وقال ليونارد دافنشي : (( الطبيعة معلمة المعلمين جميعا )) (15) كل هذه الاقوال ، وغيرها ، تؤكد دور الطبيعة في الحياة ، وتأثيرها في الانسان 0

وعلى هذا الاساس ذهب ( اوسكار وايلد ) الى ان الطبيعة هي : (( من صنعنا )) (16) ذلك لأن (( الانسان لا يرى أي شيء الا اذا رأى عنصر الجمال في ذلك الشيء ، وعندئذ ، وعندئذ فحسب ، يوجد ذلك الشيء ، ان الناس الآن يرون الضباب ، لا لأن الضباب موجود ، ولكن لأن الشعراء والرسامين علموهم الجمال الغريب الذي يؤثر الضباب عن طريقه( 000 ) انه لم يكن له وجود حتى جاء الفن فأخترعه )) 0 (17)

وقد تعرف العربي على الطبيعة ، لا لأنه يعيش في كنفها فحسب ، بل لما كانت تمثله له من حياة ، ذلك لأن العربي يعيش الطبيعة في كل لحظة من لحظات حياته ، ان كان ذلك في الصحراء ، او في المدن ، لهذا نراه لم يهتم بما فيها من جمال ، حتى اذا جاء الشعر ، واستنطق الجمال الكامن في ظواهرها ، عرفنا ان الصحراء يمكن ان تكون بهذه الصورة او تلك ، وان مطر الربيع ليس لأستزراع الارض اولكي تخضر وتعشب ، ولتصبح مراعي لأنعامهم فحسب ، وانما يمكن لحواس الانسان العربي – جميعاً – ان تستنطق هذا الاخضرار صوراً جمالية اخاذة ، وكذلك ليل الصحراء ، وتكونات رمالها ، وصفاء سماء صيفها000 الخ 0

الا اننا نجد ان الاغريق – مثلاً – اتخذوا من الاساطير مادة لشعرهم ، فكان لعالم الخيال عندهم الأثرالبالغ في ما انتجوه 000 ولكن الاساطير ، كما تؤكد الدراسات الحديثة ، هي نتاج المجتمع البدائي ، فيما الواقع العياني قد شغل العرب ، والشعراء خاصة ، وهذا ليس معناه نفياً تاماً لوجود الاسطورة لديهم ،او في شعرهم ، لأن المطّلع الحصيف على ما انتجته قريحة الشعراء العرب ، سيجد اكثر من قصيدة قد افادت من الاسطورة ، من خلال توظيفها ، توظيفاً فنياً 0 فراح شعرهم يمتلأ بما تتحسس به حواسهم ، وما تنقله الى شعورهم من تأثيرات 00 وكانت الطبيعة – التي يعيشون في كنفها – قد شغلت القصيدة ، بوصفها احد اغراض الشعر عندهم ، واستعارت بعض عناصرها ، او مظاهرها ، كتشبيهات او استعارات لابد من استخدامها في الشعر وهم يتعاملون مع الآخر ، وصفاً ، او مديحاً ، او ذماً ، او فخراً 000 الخ 0

ومن المعروف ان للبيئة العربية اثراً بالغاً على الادب ، والشعر العربي خاصة ، وان هذه البيئة – الصحراوية والمدينية على السواء – قد اثرت تأثيراً كبيراً في حياتهم 0 وعندما قيل لكثير عزة : (( كيف تصنع ، يا ابا صخر ، اذا عسر عليك قول الشعر ؟ قال : اطوف على الرباع المحيلة ، والرياض المعشبة، فيسهل على اريضه ، ويسرع الي احسنه )) (18) فكيف اذن كان تأثير الطبيعة على الشاعر ، وقوله للشعر ؟

واذا كان ابن الصحراء كثير الترحال والتنقل ، بحثا عن الماء والكلأ، فأن ابن المدينة ، وخاصة بعد الاستقرار الذي وصلت اليه في العصر العباسي ، كان اكثر استقراراً مما اثر كثيراً في الشعر العربي ، فتزين هذا الشعر بالوصف الجذاب ، والتصوير الخلاب للطبيعة التي يعيش في كنفها الشاعر 0

واذا كان الجاهليون (19) ومن بعدهم بعض الشعراء من ابناء الصحاري والفيافي ، قد صوروا كل ما شاهدته اعينهم ، وما احسوا به من موجودات الطبيعة في الصحراء – الحي وغير الحي – فأن ابناء المدن ، وخاصة في العصر العباسي ، وهو عصر ابي تمام ، قد الموا (( بالبساتين والرياض ، فعاشوا في هذه الطبيعة الجميلة ينعمون بالزهور والنور ، وينظرون الى السماء وافلاكها ، والانهار والبرك ، والقصور المشيدة ، والسفن ومرافق العيش الجديدة ، فكانت حياة ناعمة مترفة لكثير من طبقات الامة، وذهب الشعراء مذاهب بعيدة في وصف هذه الكون الجديد ، واستطاع بعضهم ان يحلق بجناحين في آفاق حديثة ، وتعدت ببعضهم اجنحة الشعر عن التحليق ، فلبث يردد صور القدماء والفاظهم )) (20)

وقد قام الشعر الجاهلي بذلك خير قيام ، فها هو الشاعر امرؤ القيس يصف واحداً من أهم عناصر الطبيعة ، وهو الليل ، بهذا الوصف الجميل الأخاذ ، في معلقته المشهورة :


وليل كموج الليل البحر ارخى سدوله علي بأنـــواع الهموم ليبتلي (21)


فيما يصف عنترة بن شداد النجوم ، قائلاً :


اراعي نجوم الليل وهي كأنها قوارير فيها زئبق يترجرج (22)


او كما قال في وصفه لاً رض معشوشبة :


بأرض تردى الماء من هضباتها فأصبح فيها نبتها يتــــوهج


وقد سار الشعراء بعدهم على الطريق نفسه ، ليس تأثراً ، وانما لأنهم كانوا يعيشون الطبيعة ومظاهرها لحظة بلحظة ، وكان لوصف الطبيعة في شعرهم المجال الأرحب 0 اذ(( استطاعت التجربة الشعرية ، عبر معالجاتها المختلفة لموضوع الطبيعة ان تربط بين الطبيعة والانسان ، بين الكلمة الشاعرة والوجود ، كما استطاعت ان تذيب الطبيعة وتتوحد معها ، وان تنقلها من موقفها السلبي اللا مكترث ، الى الموقف الانساني الفني الحي المتفاعل والمتجادل مع حياة الانسان وطموحه )) (23) 0 فهذا المتنبي – الشاعر العباسي – قد وجد في الطبيعة ما يمكن ان يوصف ، وهو الربيع وما جاد به على الارض والانسان والحيوان :


مغاني الشعب طيبا فـي المغانـي بي على الطبيعة ، لا لأنه يعيش في كنفها فحسب ، بل لما كانت تمثله له من حياة ، ذلك لأن العربي يعيش الطبيعة في كل لحظة من لحظات حياته ، ان كان ذلك في الصحراء ، او في المدن ، لهذا نراه لم يهتم بما فيها من جمال ، حتى اذا جاء الشعر ، واستنطق الجمال الكامن في ظواهرها ، عرفنا ان الصحراء يمكن ان تكون بهذه الصورة او تلك ، وان مطر الربيع ليس لأستزراع الارض اولكي تخضر وتعشب ، ولتصبح مراعي لأنعامهم فحسب ، وانما يمكن لحواس الانسان العربي – جميعاً – ان تستنطق هذا الاخضرار صوراً جمالية اخاذة ، وكذلك ليل الصحراء ، وتكونات رمالها ، وصفاء سماء صيفها000 الخ 0

الا اننا نجد ان الاغريق – مثلاً – اتخذوا من الاساطير مادة لشعرهم ، فكان لعالم الخيال عندهم الأثرالبالغ في ما انتجوه 000 ولكن الاساطير ، كما تؤكد الدراسات الحديثة ، هي نتاج المجتمع البدائي ، فيما الواقع العياني قد شغل العرب ، والشعراء خاصة ، وهذا ليس معناه نفياً تاماً لوجود الاسطورة لديهم ،او في شعرهم ، لأن المطّلع الحصيف على ما انتجته قريحة الشعراء العرب ، سيجد اكثر من قصيدة قد افادت من الاسطورة ، من خلال توظيفها ، توظيفاً فنياً 0 فراح شعرهم يمتلأ بما تتحسس به حواسهم ، وما تنقله الى شعورهم من تأثيرات 00 وكانت الطبيعة – التي يعيشون في كنفها – قد شغلت القصيدة ، بوصفها احد اغراض الشعر عندهم ، واستعارت بعض عناصرها ، او مظاهرها ، كتشبيهات او استعارات لابد من استخدامها في الشعر وهم يتعاملون مع الآخر ، وصفاً ، او مديحاً ، او ذماً ، او فخراً 000 الخ 0

ومن المعروف ان للبيئة العربية اثراً بالغاً على الادب ، والشعر العربي خاصة ، وان هذه البيئة – الصحراوية والمدينية على السواء – قد اثرت تأثيراً كبيراً في حياتهم 0 وعندما قيل لكثير عزة : (( كيف تصنع ، يا ابا صخر ، اذا عسر عليك قول الشعر ؟ قال : اطوف على الرباع المحيلة ، والرياض المعشبة، فيسهل على اريضه ، ويسرع الي احسنه )) (18) فكيف اذن كان تأثير الطبيعة على الشاعر ، وقوله للشعر ؟

واذا كان ابن الصحراء كثير الترحال والتنقل ، بحثا عن الماء والكلأ، فأن ابن المدينة ، وخاصة بعد الاستقرار الذي وصلت اليه في العصر العباسي ، كان اكثر استقراراً مما اثر كثيراً في الشعر العربي ، فتزين هذا الشعر بالوصف الجذاب ، والتصوير الخلاب للطبيعة التي يعيش في كنفها الشاعر 0

غدونا ننفض الاغصان عــــنهـا على اعرافها مـثل الــــــجمان

فسرت وقد حجبن الشمس عني وجئن مـن الظباء بـــما كفاني

والقى الشرق منها في ثيابــــي دنانيراً تــــــــــــفر مـن البنان

لـــها ثمـــر تشير اليــك مـــنــه بـــــــــــأشربة وقفن بلا اوان

وامواه تصل بها حصاهــــــــــا صليل الحي في ايدي الغواني (24)


وقال ابن المعتز في الربيع :


حــــــــــــبذا اذار شهر فــيه للــــنور انتشار

ينقص اللـــــيل اذا (م) ويــــــــــــمتد النهار

وعلى الارض اصـفرار واخضرار واحــمرار

نقشه آس ونسريـــــــ ـن وورد وبـــــــهار (25)

وعلى الرغم من ان البحتري له قصيدة يصف فيها الربيع ، الا ان مظاهر وعناصر الطبيعة – كالشمس والنجوم ، والغيث 000 الخ – قد وجدت في شعره مكانا لها 0 فها هو يصف ( بركة ) ماء ، وما كان يحيط بها من عناصر الطبيعة :

تنصب فيا وفود الماء معـجــــــلة كالخيل خارجة من حبل مجريها

كأنـما الفضة البيضاء سائــــــــلة مـن السبائك تجري في مجاريها

وحـاجب الشمس احيانا يضاحكها وريـــــــق الغيث احيانا يباكــيها

اذا عـلتها الصبا ابدت لها حــــبكا مثل الجواشن مصقولا حواشيها (26)


وقد اختص بعض الشعراء بوصف جانب ، او مظهر من مظاهر الطبيعة ، فها هو الصنوبري الذي دعاه مؤرخو الادب ، بشاعر الرياض ، وسموا الفن الذي حلق فيه بالروضيات (( بل ان ديوانه بستان تتمايل اغصانه بالثمر ، وتهتز نباتاته بالنور والزهور ، رسم الفصول وما تنبت من زهر وثمر فلم تفته واحدة منها ولم يقصر شعره على فصل واحد ، ولكنه فصل الربيع :

ان كان في الصيف ريحان وفـــاكهة فالارض مستوقد والجو تــــــنور

وان يكن في الخريف المحل مخترقا فالارض محصورة والجو مأسور

وان يكن في السماء الغيم مـــتـصلا فالارض عريانة والجو مقــــــرور

ما الدهر الا الربـــيع المستنيـــر اذا جاء الربيع اتاك النور والــــــــنور

فالارض ياقوتة والـــجو لـــــؤلــؤة والنبت فيروزج والماء بلـــــــــور

لا تعدم الارض كأساً مـــن سحــائبه فالنبت ضربان سكران ومـخـــمور

فيه جني الورد منـــضود مــــورده بــه الجالس والمنثور مـنـــــــــثور

هذا البنفسج هذا اليــاسمين وذاالنـ سرين ذا سوسن بالحسن مـشهور (27)


ونجد شاعراً اندلسياً ، يوقف جل شعره على الطبيعة ووصفها ، بل ، وجعلها معادلاً موضوعياً لما يجيش في نفسه من مشاعر تجاه ما يراه من حياة محتدمة ، وما يشعر به من فجاعة الموت الذي هو مآل كل شيء0

ان ابن خفاجة ، وهو يخص>: اطوف على الرباع المحيلة ، والرياض المعشبة، فيسهل على اريضه ، ويسرع الي احسنه )) (18) فكيف اذن كان تأثير الطبيعة على الشاعر ، وقوله للشعر ؟

واذا كان ابن الصحراء كثير الترحال والتنقل ، بحثا عن الماء والكلأ، فأن ابن المدينة ، وخاصة بعد الاستقرار الذي وصلت اليه في العصر العباسي ، كان اكثر استقراراً مما اثر كثيراً في الشعر العربي ، فتزين هذا الشعر بالوصف الجذاب ، والتصوير الخلاب للطبيعة التي يعيش في كنفها الشاعر 0

00 يقول ابن خفاجة:

وارعن طماح الذؤابة بــــــــاذخ يطاول اعنان الـــــــــسماء بغارب

يسد مهب الريح من كل جـــــهة ويزحم ليلا شهبه بالـمــــــــــناكب

وقور على ظهر الفلاة كــــــــأنه طوال الليالي مــطرق في العـواقب

يلوث عليه الغيم سود عـــــمائم لها من وميض البرق حمر ذوائـب

اصخت اليه وهو اخرس صامت فحدثني ليل الـــــــسرى بالعـجائب (28)

لقد كانت استجابة الانسان ، والانسان الشاعر خاصة ، لدواعي الطبيعة ، احد اسرار خلود ما وصلنا من الشعر الجاهلي 0 اذ ان ممارسة الانسان الجاهلي – والشاعر خاصة – للطبيعة ، كانت ممارسة روحية اكثر منها مادية ، لان الممارسة المادية ، او العلاقة المادية للانسان بالطبيعة ، قد اثرت روحيا فيه ، مما اضاف الكثير الى رصيد روحة وتجربته المعاشة 0

وقد كانت الطبيعة عند الشعراء العرب قائمة في وعيهم ، وقد انسلت مع انسلال روحهم في خلايا جسمهم 0

ولم تكن وقفة الشاعر على الاطلال ، وركوب الراحلة الى الممدوح الا وقوفاً على تأثير الطبيعة على العمران والناس ، أي تأثير الزمن ، وتأثير مظاهر الطبيعة العديدة والمتنوعة عليهما 0

وان اول من تهجم على اسلوب ( الطللية) في القصيدة الجاهلية هو الشاعر عمر بن ابي ربيعة ،و جاء بعده الشاعر ابو نواس وجماعته اصحاب التجديد في الشعر العباسي ، حتى غادرت ( الطللية ) – الى حد ما – القصيدة العمودية عند بعض الشعراء 0 حتى اذا جاء ابو تمام ، كانت القصيدة عنده قد رسمت هندسة بنائية ومعنوية ( من المعنى ) جديدة على الشعر العربي ، من خلال استخدامه المفرط للبديع ، وتوليد المعاني 0 الا ان الطبيعة ووصفها ووصف عناصرها وظواهرها ، ما زالت في القصيدة ، بل ان بعض الشعراء وجدوا فيها – أي في الطبيعة – ملاذاً آمناً فصاغوا القصائد الطوال للتغني بها ، وكان بعضهم قد وجد في عناصرها وظواهرها ما يفيد غرضه الشعري – في المديح والرثاء والتغني بالحبيبة وحتى الهجاء – حتى بات للطبيعة قانونها الخاص الذي يعني (( ان ظواهر الطبيعة " وهي معطيات موضوعية ووقائع قائمة في ذاتها مستقلة عن الوعي استقلالاً مطلقاً " تمثل في الصورة مثولاً كلياً ، في الكثير من الحالات ، بحيث تبدو الصورة وكأنها احتقاب للظاهرة وتشرب لها ( 000 ) او هي صدور عن الظاهرة وانبثاق منها ، كما يعني ان ثقل عناصر الطبيعة وضغطها الدائم على الروح الانساني وامتلاء حضورها في الوعي ، ومداومتها على هذا الحضور بأستمرار " وذلك لان البدائيين ظاهرات طبيعة ، وحلول في القائم الطبيعي " هو من الدوافع التي توجه السلوك الصياغي ، وتتحكم بالخيال اثناء اقامته لمعمار الصورة ، وتدفع الوعي نحو الانطلاق من الطبيعة كمعطى ، كمادة اولية للانشاء والنسج ، ولهذا نجد الخيال قادراً على مساوقة الصورة المنبجسة من الطبيعة وتوزيعها بأنسجام على رقعة الموقف )) 0 (29)



















0

ان ابن خفاجة ، وهو يخص>: اطوف على الرباع المحيلة ، والرياض المعشبة، فيسهل على اريضه ، ويسرع الي احسنه )) (18) فكيف اذن كان تأثير الطبيعة على الشاعر ، وقوله للشعر ؟

واذا كان ابن الصحراء كثير الترحال والتنقل ، بحثا عن الماء والكلأ، فأن ابن المدينة ، وخاصة بعد الاستقرار الذي وصلت اليه في العصر العباسي ، كان اكثر استقراراً مما اثر كثيراً في الشعر العربي ، فتزين هذا الشعر بالوصف الجذاب ، والتصوير الخلاب للطبيعة التي يعيش في كنفها الشاعر 0

المبحث الثاني : الطبيعة في شعر ابي تمام


للطبيعة وقع مؤثر على البشر بصورة عامة ، ولمظاهرها الغنية بالصور الحسية ، ان كان ذلك من خلال النظر ، او من خلال السمع ، او الشم ، او اللمس 0

ولما كانت الطبيعة من ضمن الموضوعات التي تناولها الشعر العربي منذ العصر الجاهلي وحتى عصر ابي تمام ، اذ كان الشاعر يبدأ في وصف احد مظاهر الطبيعة – كالاطلال والدمن مثلا – ليتخلص منها الى ممدوحه على سبيل المثال 00 الا ان صورة هذا التعامل قد تغيرت ، ذلك لان الحياة المعاشية هي الاخرى قد اصابها التغير والتبدل ، فمن الاطلال والدمن والصحراء ، والخيام ، والابل ، وحيوانات الصحراء، انتقل المجتمع العربي الى بناء القرى الزراعية والمدن ، فتبدلت حياته من حياة البدوي الصحراوية ، الى حياة حضرية – مدنية ، حضارية 00 وكل ذلك يتطلب تغييراً في اسلوب الحياة المعاشة 00 فتحولت الطبيعة ووصفها ، او اتخاذها موضوعاً شعرياً ، من الوقوف على الاطلال ، ووصف الرحلة الصحراوية ، و( الراحلة ) – فرساً كانت ام جملاً – والظعينة ، ووصف الحيوانات الوحشية ، الى وصف للطبيعة التي يراها الانسان ، ويعيش في كنفها في المدن والحواضر (1) 00 ومن هذا وجدنا ان القصيدة – كما ذكرنا سابقاً – قد الغت الهندسة الطللية والظعينية السابقة ، لتبني لها هندسة جديدة ، بعيداً عنها ، وعما رافقها من مظاهر اخرى 00 أي حلت الطبيعة البهيجة الزاهرة ، والربيع الكريم على الارض والحيوانات والاشياء بديلاً عن الاطلال الكئيبة والدمن 0 واذا كان الشعراء الذين سبقوا ابو تمام يخلصون الى ممدوحيهم مثلاً ، بعد الوقوف على الاطلال ، او بعد الحديث عن الظعينة ، نجد ابا تمام خلص في اغلب قصائده الى الاخر – مهما كان نوع هذا الاخر – بعد ان يصف واحداً من مظاهر او عناصر الطبيعة ، التي يختار منها ما هو مشرق ، او ان يتحدث عن هذا العنصر او تلك الظاهرة الطبيعية ، وكأنه يتحدث عن الانسان ( الممدوح ) أي انه يقوم بأنْسَنَة تلك الظواهر ، ليجعل منها معادلاً فنياً لواقع موضوعي ، أي لصفات الممدوح واخلاقه وقيمه التي يمدحها فيه 0

ولم يكن هذا هو ما استجد في القصيدة العربية ، بل نجد ان اللغة قد اصبحت اكثر ( مدنية ) – اذا جاز التعبير – من خلال استعمالها للمفردات المتداولة في المدينة ،وما فرضته الحياة المدنية من اساليب في التخاطب ، وكذلك اكثر ليناً من لغة الشعر الجاهلي والاموي الى حد ما ، فتغيرت موجودات الطبيعة في القصيدة من البيئة الصحراوية الى موجودات البيئة المدنية ، وكذلك تغير الاحساس بها ، مما جعل الصور تصبح اكثر رقة ، واوفر تلويناً بمباهج الطبيعة ، من خلال استخدام فنون البيان والبديع ، وتجديد في الصورة الشعرية ، فزخرت القصائد بصور يغلب عليها طابع التشخيص والتجسيم ، وتزاحمت القصائد بالمعاني الجديدة الي تنطلق فيها مظاهر وعناصر الطبيعة بلغة واضحة ، رقيقة ، جزلة ، وزاد عليها ابو تمام ، بأن اعمل فكره بها ، فجاءت صوره الشعرية تتراقص في حقل الفكر المتحرك والمركب0 وهكذا اصبحت الطبيعة – عنده وعند شعراء جاؤا من بعده ، تأثروا به – لا تأخذه اليها ، بل اخذها هو اليه ، ووضعها كحالة جمالية ذات طابع رمزي او تشبيهي ، دون خوف منها كما كان ديدن الشعراء الذين سبقوه ، خاصة شعراء البادية المأخوذين بفعل الطبيعة والاشياء 0

واذا كنا قد ذكرنا فيما سبق ، ان اغلب ، ان لم يكن جل شعراء العربية ، قد كتبوا عن الطبيعة ، ووصفوها ، فهذا لا يعني ان الموضوع قد استنفد معانيه ، او جمدت صوره ، لأن المعاني ما زالت معروضة في الطريق على حد تعبير الجاحظ (2) ، فضلاً عن ان الشاعر المجيد ، الاصيل ، لا تقدر اصالته ، ولا تقاس جودته ، الا بمدى ما (( يستكشف من آفاق جديدة للتناول والتعبير الشعري )) (3) أي ان التمايز بين الشعراء – في هذا الموضوع او ذاك – يكون في الرؤية ومنهج التعبير ، ليس في الموضوع المألوف الذي يتناولونه في شعرهم 0













0

ان ابن خفاجة ، وهو يخص>: اطوف على الرباع المحيلة ، والرياض المعشبة، فيسهل على اريضه ، ويسرع الي احسنه )) (18) فكيف اذن كان تأثير الطبيعة على الشاعر ، وقوله للشعر ؟

واذا كان ابن الصحراء كثير الترحال والتنقل ، بحثا عن الماء والكلأ، فأن ابن المدينة ، وخاصة بعد الاستقرار الذي وصلت اليه في العصر العباسي ، كان اكثر استقراراً مما اثر كثيراً في الشعر العربي ، فتزين هذا الشعر بالوصف الجذاب ، والتصوير الخلاب للطبيعة التي يعيش في كنفها الشاعر 0

ومن هذا ، يمكن لنا التحدث عن تناول الشعراء للطبيعة دون ان يأخذنا تكرار التجربة – ظاهراً – الى مديات تجعل النظر الى الموضوع احادي الجانب 0

واذا كانت الطبيعه ، منذ الازل ، في صراع مع الانسان ، ومادورالانسان الا التغلب اوالسيطرة عليها ، الاانها ـ في الآن نفسه – هي الفاعل والمفعول به المؤثرين في حياته ، ذلك لأن أي انسان متفتح الحواس ( القلبية والعقلية ) كالشاعر مثلاً ، سيكون التأثير عليه من قبل الطبيعة مضاعفاً ، خاصة اذا كان هذا الشاعر يحب وطنه حباً عميقاً ، وفي فترة البحث عن الذات العربية في زحمة القوميات الاعجمية التي غزت المجتمع العربي ابان الفترة التي عاش فيها شاعرنا ابي تمام ، فأن طبيعة ذلك الوطن – على الرغم من ان الجمال لا يعرف الحدود وخاصة جمال الطبيعة – ستجعل من الشاعر اكثر انفتاحا على طبيعة وطنه ، معشوقاً لها ، متغنياً بها ،لأن العاشق هو القادر على ان يحس بجمال معشوقته ، ابتداء من اكتشافه لهذا الجمال ، ومن ثم تمييزه عن الجمال عند الاخرين 0

كان ابو تمام ، محباً لوطنه حب المعشوق لمعشوقته ، فهو القائل :

سقى الرائح الغادي المهجر بــــلدة سقتني بانفاس الصباية والخـــبل

سحاباً اذا القت على خلفـه الصــــبا يداً قالت الدنيا أتى قاتل المــــــحل

اذا ما ارتدى البرق لم يزل النـــدى له تبعا يرتدي الروض بالبــــــــقل

اذا انتشرت اعلامه حوله انـــطوت بطون الثرى منه وشيكاً على حملِ

ترى الارض تهتز ارتياحاً لوقــــعه كـما ارتاحت البكر الهدي الى البعل

فجاد دمشقاً كلها جود اهلـــــــــــها بأنفسهم عند الكريهة والــــــــــبذل

سقاهم كما اسقاهم في لظى الوغى ببيض صفيح الهند والسحر الــذبل

فلم تبقى مــن ارض البقاعين بقعة وجاد قرى الجولان بالمسبل الوبلي

بنفسي ارض الشام لا ايمن الحمى ولا ايسر الدهنا ولا وسط الرمــــــل

ولم ار مــــــــثلي مستهاماً بــمثلكم له مثل قلبي فيه ما فيه لا يغـلــــــي (4)


وعند ابي تمام احساس عميق بالطبيعة ، فأنعكس هذا الاحساس بكل وضوح على شعره ، خاصة وانه ولد ونشأ في قرية فلاحية ، وشتان بين من يعيش في قرية فلاحية من قرى الشام ، وبين من يعيش في الصحراء او مدينة كبيرة صاخبة ، ميالة لأن تكون مدينة صناعية (5) تجارية سياسية ، ومركزاً ثقافياً وعلمياً ، مثل مصر وبغداد ، اذ ان الاحساس بالطبيعة يكون عند من ولد ونشأ في القرية ، وخاصة في فترة صباه ، اكثر منه عند ابن المدينة( والاثنان من اماكن الحضر لا البدو ) لان الطبيعة تلعب في مجتمع القرية دوراً كبيراً 0 اذ ان الحياة المعاشة فيها تعتمد اعتماداً كلياً على الطبيعة ، وعناصرها ، وظواهرها المختلفة والعديدة ، فيما يكون دورها في المجتمعات المدينية ، ثانوياً ، فضلاً عن تنوع الاماكن التي زارها الشاعر ، فأستدعى ذلك تنوعاً في الطبيعة ، ومن ثم انعكس ذلك على شعره ، فحفل بالصور الجميلة عنها 0

ولا نريد هنا ان ندخل متاهات علم نفس الابداع ، ونوزع الشعراء حسب بيئاتهم الطبيعية التي عاشوا فيها ، وانما ذكرنا هذا لنتعرف على مدى ما اضافه ابو تمام من جديد على شعر الطبيعة 0

ومن المفيد ان نذكر ، ان ابا تمام لم يكتب سوى ثمانية قصائد ومقطوعات في الوصف الخالص للطبيعة من بين ( 479 ) قصيدة ومقطوعة شعرية ، وهي نسبة ضئيلة جدا ، أي بمقدار 6،1 بالمئة ، الا ان اغلب قصائده ، وخاصة قصائد المديح ، مليئة بوصف الطبيعة ، ا و احد مظاهرها او عناصرها ، وهو وصف جاء ليرمز للممدوح ، او للتشبيه بها عنه او عن صفة او سلوك منه ، أي ان رؤية الشاعر للطبيعة في مثل هذه القصائد ، لم تكن رؤية خالصة لها ، أي ان تكون الطبيعة هي الموصوفة لذاتها ، بل ان الشاعwestern" ALIGN=RIGHT>









0

ان ابن خفاجة ، وهو يخص>: اطوف على الرباع المحيلة ، والرياض المعشبة، فيسهل على اريضه ، ويسرع الي احسنه )) (18) فكيف اذن كان تأثير الطبيعة على الشاعر ، وقوله للشعر ؟

واذا كان ابن الصحراء كثير الترحال والتنقل ، بحثا عن الماء والكلأ، فأن ابن المدينة ، وخاصة بعد الاستقرار الذي وصلت اليه في العصر العباسي ، كان اكثر استقراراً مما اثر كثيراً في الشعر العربي ، فتزين هذا الشعر بالوصف الجذاب ، والتصوير الخلاب للطبيعة التي يعيش في كنفها الشاعر 0

00 فالربيع ، والقمر والشمس ، والكواكب ، والمطر ، والغيث 000 الخ ، كلها معادلات فنية لوقائع موضوعية ، أي للاخر الذي يتحدث اليه ، اوعنه ، او معه في شعره 0

ان ابا تمام لم يرتكن في نظرته للطبيعة الى ما هو قاموسي في اللغة ، او في الصور الشعرية ، وانما عاش الطبيعة وجداناً واحساساً ، وراحت مخيلته النابضة بالفكر ، ترسم لوحات عظيمة ، جميلة ، خلابة ، وزاخرة بالحركة ، فأصبح شعره عبارة عن لوحة تشكيلية للطبيعة ، فـ (( تجانست الاشياء في مخيلة هذا الشاعر على نحو رمزي غريب وذلك بأيجاد علاقة للاشياء التي لا علاقة بينها وهذه العلاقة هي معنى الفن الجوهري )) 0 (6)

وكان ابو تمام يخرج على دنيا الشعر في المدائح خاصة (( بأستهلال جديد لم يسبقه اليه الا مسلم بن الوليد ، فقد كان مسلم سباقاً في كل شيء ، انه يستهل قصيدته في المديح بوصف الطبيعة ، بل ان استهلاله بوصف الطبيعة يصلح وحده لان يشكل قصيدة جميلة فريدة في وصف سحر الطبيعة)) (7) اذ كانت له مقدمات تصف الطبيعة وصفا جميلا ، كما في مقدمة قصيدته ( رقت حواشي الدهر وهي تمرمر 00 الخ) 0

ولكي تكون قراء تنا للطبيعة في شعر ابي تمام قراءة دقيقة ، خصصنا الباب الثاني للدراسة الموضوعية لشعر الطبيعة عنده ، مقسمين اياه الى فصلين ، خصص الفصل الاول لدراسة شعر الطبيعة غير الحية ، فيما خصص الفصل الثاني لدراسة شعر الطبيعة الحية عند الشاعر 0

















































الباب الثاني

الدراسة الموضوعية لشعر الطبيعة

عند ابي تمام



































الفصل الاول

شعر الطبيعة غير الحية




















المقدمة 0

:

تنوعت اغراض الشعر العربي منذ اول نشأته ، اذ كان هو (( فن التعبير الاول الذي بلغ اقصى حد من النضج والاستواء ، والذي كان متغلغلاً في ضمير الانسان العربي ، مستوعباً لشتى جوانب حياته الروحية والوجدانية والفكرية ، ومسجلاً لروح عصر بكامله ، حتى وصفه المتأخرون بحق بأنه ديوان العرب وسجل حياتهم )) 0 (1)

وقد كتب الشعراء في المديح والهجاء ، والوصف ، والرثاء 000 الخ ، وكان للطبيعة مكانها في هذه الاشعار ، لأن الطبيعة حاضنة الشاعر ، وملهمته في الكثير من القصائد التي يتوصل فيها الى ممدوحه ، او الذي يهجيه ، او يرثيه ، لكن شعر المديح كان له الكأس المعلى في هذا الجانب 00 لأن عناصر ومظاهر الطبيعة يمكنها ان تكون المعادل الفني للواقع الموضوعي 0

وابو تمام شاعر مفكر ، اذ انه يقف امام الطبيعة وعناصرها وظواهرها ، وقفة المفكر والمتأمل و (( يخرج من تأمله وتفكره بالنظريات والاحكام الشعرية ، وقد خرج على التقليد العربي حين وصف الزهر والربيع والغيث في طريقه الى الممدوح ( 000 ) واذا كان الربيع بهجة العام ومهرجان الطبيعة ، فقد كانت فتنة لأبي تمام بليغة )) 0 (2)

والشاعر ابو تمام لا يبني قصيدته على الاساس الهندسي القديم ، الذي سارت عليه القصيدة حتى جماعةابي نواس ، كما قلنا سابقاً ، وانما اعتمد هندسة جديدة ، هي دخوله في صلب موضوعه الاساس من خلال وصف الطبيعة او احد مظاهرها او عناصرها ، وهذا الوصف لا يراد به ان يكون بديلاً عن الوقوف على الاطلال ، أي كمقدمة ( طليلة ) وانما هو اساس القصيدة ، ذلك لأنه يجعل من احد عناصر الطبيعة معادلاً فنياً للاخر ، مهما كان هذا الآخر ، ممدوحاً ، او مرثياً ، او مهجياً 000 أي انه يشبهه بهذا العنصر ، او ذاك المظهر ، ولكن التشبيه في اغلب قصائد ابي تمام لا يستدعي من الشاعر ان يذكر اداة التشبيه ، وانما هو يصوغ شعره بدون تلك الاداة في الكثير من الاحيان 0

ولكي نكون اكثر قربا من موضوع هذا المطلب ، يمكن ان نوزع الفاظ الطبيعة غير الحية ، على موضوعات اساسية ، يمكن ان نكون منها معجماً صغيراً خاصاً بالشاعر ، اذ انه تحدث عن فصول السنة ، وخاصة الربيع ، تحدث عن المطر والغيث والغمامة ، وتحدث عن الكواكب والنجوم والشمس والقمر 000 الخ ، وفي كل هذه القصائد كان الشاعر يأتي بالمعادل الفني للواقع الموضوعي الذي يعيش فيه او يحس بالعاطفة تجاهه 0 ومن هذا المعجم الطبيعي لشعر ابي تمام ، يمكن تناول الاتي من عناصر وظواهر الطبيعة :













المبحث الاول : الطبيعة السماوية

1- السماء :

السماء عالم خاص ، وفيه من العناصر العدد الكثير، فالسماء ، تضم مجموعة من الكواكب السيارة ، وكلها تدور حول الشمس ، وقد كان للعرب وقفة معها ، خاصة في ليلها البهيم ، وامام عناصرها وظواهرها ، ومايلف كل ذلك من عجائب خلق الله سبحانه ، ومن غريب الامور بالنسبة للبشر 000

وشاعرنا ابو تمام ، قد وقف من السماء موقف الانسان والشاعر ، فراحت قصائده تتغنى بها : كسماء ، أي كعنصر رئيس من عناصر الطبيعة ، او ككناية عن شيء ما ، او تشبيه لشيء ما 00

فها هو يجعل للسماء خيطاً ، وهومن باب الكناية ، يكني به المطر ، فيقول :-


فسقاه مسك الطل كافور الصِبا وانــْحَلَ فيهِ خيط كل سماءِ




















المقدمة 0

(1)


وأن افعال ممدوحه ، هي العمد التي رفعت سماء الكرم :-


فأفخر فما من سماءٍ للندى رُفعت الاّ وافعالكَ الحسنى لها عمد (2)


وكذلك اخلاق ممدوحه ، هي :-


ابو علي اخلاقه زهر غب سماء وروحه قدس (3)


اما أصل ممدوحه ، فقد غرس في قرار المجد ، وفرعه في سماء العز :-


فرعٌ سما في سماءِ العزِ متخذاً اصلاً ثوى في قرارِالمجد مغروساً (4)


اي ان السماء التي في هذا البيت ، هي سماء العز ، وليست السماء المعروفة 0

وفي بائيته المشهورة ، يقول ان فتح عمورية قد تفتحت له ابواب السماء :


فتح تفتح ابواب السماء له وتبرز الارض في اثوابها القشب (5)


ويشبه ممدوح آخر بقمر السماء ، فيقول :

تلقاه بين الزائرين كـــأنهُ قمر السماء يلوح بين سعود (6)


ان بكاء الشاعر على بعد ممدوحه ، يجعل برق السماء مضيئاً ، واصوات الرعود عالية ، أي ان السماء تتجاوب مع حزن الشاعر :

آه لــــــــــوقع البين يابن محمد بين المحب على المحب شديدا

ابكي وقد سمت البروق مضيئة من كل اقطار السماء رعــــودا (7)


وعند مديحه للمعتصم ، يجعل من الافشين ، الذي كان أحد قواده ، ثم ثار عليه ، ( ثاني اثنين ) الا انه ليس كأبي بكر الصديق () بل هو في الضلالة مع ( مازيار ) في السماء :


ولقد شفى الاحشاء من برحائها أن صار بابك جـــــــار مازيار

ثانيه في كبد السماء ولــــم يكن لا ثنين ثان اذهما فــــي الغار (8)

أي انهما صلبا في الهواء ، والتأثير بالقرآن الكريم واضحاً هنا 0

اما الارض والسماء فهما معروفتان ، احداهن للاخرى ، كما يُعرف بني العباس لبني البشر ، أي الطالبين منهم حاجاتهم :

فالارض معروف السماء قرى لها وبنو الرجال لهم بنو العباس (9)


واذا كانت السماء قد ارتدت ثوب الجزع ، فأن ممدوحه قد طوى هذا الثوب ، وازاله :

نضا ضوؤها صبغ الدجنة فانطوى بهجتها ثوب السماء المجزع المقدمة 0

(10)


وكانت غزوتا ممدوحه في شتاء سماؤها سوداء مكفهرة بالغيوم :

حين لاجلدة السماء بضرا ء ولا وجه شتوة بطليق (11)


وفي رثاء خالد بن يزيد ، يقول :-


ويصعد حتى يظن الجهول ان له منزلاً في السماء (12)


وهو اذ يتغزل ، فانه لايلوم الحساد ، لان حبيبه شبيه هلال السماء ، وهو طوع يده :

كيف الوم الحسود فيك وقد راى هلال السماء طوع يدي (13)

ويعاتب احدهم ، ويقول له ، مافائدة مطر سماء هذا اليوم اذا مات احدهم عطشاناً يوم امس :

وما نفع من قد مات بالامس صادياً اذا ما سماء اليوم طال انهمارها (14)


وعندما يصف المطر ، يقول ان هذا المطر قد جعل الارض لكثرة انهماره مثل السماء :-


ان هي عادت ليلة عداء اصبحت الارض اذن سماء (15)


اما اجداد الخليفة الواثق ، فهم في الملأ المكين في السماء :-


من يعش ضوء الآل يعلم انهم ملأ لدى ملأ السماء مكين (16)


ويهجو شاعراً ، ويقول له انه سيتبعه بهجائه حتى لو صعد الى السماء :


شعري انى هربت في الطلب ولو صعدت السماء في سبب

يا أبن ابي عاصم ولاعاصم ويلك من سطوتي ومن غضبي (17)


وعندما يعاتب احدهم ، يخبره ان السماء مطلوبة عندما تحجبها الغيوم ، أي يشبه معاتبه بالسماء المحجوبة التي يرجى ازالة حجابها :


ليس الحجاب بمقص عنك لي املاً ان السماء ترجى حين تحتجب (18)

وعندما يفخر بقومه، فأن ((أوس وحاتم وزيد القنا والاثرمان ورافع )) الطائيين ، قد سموا به الى السماء في الحكم والكرم والشجاعة :

سما بي أوس في السماء وحاتم وزيد القنا والاثرمان ورافع (19)


*** ***

2: عناصر الطبيعة السماوية :


أ- الكواكب :

لعبت الكواكب دوراً كبيراً في حياة العربي ، من أبناء الوبر والمدر على السواء ، اذ كانت لهم سبيلاً لمعرفة الكثير من الأمور الجوية والمناخية ، فضلاً عن الطالع 00 مما دعاهم الى دراستها ومعرفة اوقات خروجها او شروقها ، وافولها اوغروبها ، ومعرفة علاقاتها ببعض مظاهر الطبيعة التي يسعون الى ان تأتي بها تلك الكواكب مما جعل منهم علماء بهذا الجانب ، فوضعوا لها الاسماء والنعوت ، وحددوا اوقات مطالعها ، ومساقها وصفاتها وصورها ، وشروقها وافولها 00 وفي هذا المبحث سندرس ماجاء في شعر أبي تمام من ذكر للكواكب 0

فها هو الشاعر يمدح محمد بن حسان الضبي ، ويذكره بوعوده التي مازالت في قلبه ، كالشريعة التي يحوم حولها الطير ، أي طير رجاء الشاعر ، ينتظر تنفيذها 00

ويذكر كوكب الجوزاء الذي طوق همته ، والجوزاء كما تقول العرب (( تعد من الكواكب اليمانية 0 وهي تسمى "الجبار " تشبيهاً لها بالملك ، لانها في صورة رجل على كرسي عليه تاج )) وهي (( غزيرة النوء ( 000 ) ومع طلوعها يرجع الناس الى مياههم )) (20) لهذا يقول الشاعر :

انبطت في قلبي لوأيك مشرعاً ظلت تحوم طــــــير رجائي

فثويت جاراً للحضيض وهمتي قد طوقت بكواكب الجوازء (21)


اما مكارم ومحاسن ممدوحه العجلي ، فقد اصبحت ذات شأن حتى انها ارتفعت الى مكانها تريد ثأراً من بعض الكواكب :

محاسن من مجدٍ متى يقرنوا بها محاسن أقوام تكن كــــالمعايب

مكارم لجت في عــــــــــلو كأنها تحاول ثأراً عند بعض الكواكب (22)


ويصف اجداد الخليفة الواثق ، الهاشميين ، بالكواكب ، لعلو شأنهم وسموا اخلاقهم وشرف منبتهم :

يابن الكواكب من ائمة هاشم والرجّح الاحساب والاحلام (23)


فيما يصف ممدوحه ابن طوق بالكوكب الجشمي ((المنتسب الى جشم بن بكر بن تغلب )) كون الممدوح تغلبي ، وهذا الكوكب ساطع مضيء ، فهو الهادي لمخاطبيه ( عصابته ) :


قد قلت في غلس الدجى لعصابة طلبت ابا حفص : مــــــناخ الاركب

الكوكب الجشمي نصب عيونكم فأستوضحوا بضياء ذاك الــكوكب (24)


وكف ممدوحه سليمان بن وهب طلقاً لسرعة عطائه وكرمه ، كأنها كوكب مشبوب :


واذا كف راغـــــــب سألته راح طلقاً كالكوكب المشبوب (25)

وفي قصيدة اخرى يشبه ممدوحه السابق بالكوكب الهادي السائرين :


وهم مادمت كوكبهم وساروا بريحك في غدو أو عشي (26)


ويصف في قصيدة اخرى غرة ممدوحه ( أي طلعته ) صبيحة نكبة ، بالبرق ، او هي كالكوكب المضيء الذي لايرى وقت الصباح :


ورايت غرته صبيT>:

لعبت الكواكب دوراً كبيراً في حياة العربي ، من أبناء الوبر والمدر على السواء ، اذ كانت لهم سبيلاً لمعرفة الكثير من الأمور الجوية والمناخية ، فضلاً عن الطالع 00 مما دعاهم الى دراستها ومعرفة اوقات خروجها او شروقها ، وافولها اوغروبها ، ومعرفة علاقاتها ببعض مظاهر الطبيعة التي يسعون الى ان تأتي بها تلك الكواكب مما جعل منهم علماء بهذا الجانب ، فوضعوا لها الاسماء والنعوت ، وحددوا اوقات مطالعها ، ومساقها وصفاتها وصورها ، وشروقها وافولها 00 وفي هذا المبحث سندرس ماجاء في شعر أبي تمحة نكبة جلل فقلت : ابارق ام كوكب ؟(27)


اما كوكب الدنيا الذي يطالبه الشاعر بألا يغيب ، فهو ممدوحه خالد بن يزيد :


فيا وشل الدنيا بيشبان لا تغض وياكوكب الدنيا بشيبان لاتخب (28)


اما الخليفة ، فهو كوكب الخلفاء :


قد كان خطب عاثر فاقاله راي الخليفة كوكب الخلفاء (29)


فيما احد ممدوحه ، هو كوكب الاسلام :


هو كوكب الاسلام اية طلمة يخرق فمخ الكفر فيها راد (30)


وقد جلا الخليفة المعتصم ظلمات الظلم عن امة الاسلام عندما اضاء لها كوكب الحق الذي كان آفالاً :

جلا ظلمات الظلم عن وجه امةٍ اضاء لها من كوكب الحق آفله (31)


اما كوكب المتأمل ، فهو الحسن بن وهب :


نفسي فداء أبي علي إنه صبح المؤمل كوكب المتأمل (32)


اما الكعبة ، فهي كوكب الدنيا التي يتم فيها الاحرام 0 والتي جعلها مرئية للمسلمين ممدوحه مالك بن طوق :

وبه رأينا كعبة الله التي هي كوكب الدنيا تحل وتحرم (33)


اما شرف وأصل ممدوحه خالد بن يزيد فهما متأصلان وليسا محد ثان في الاسلام :

فلما تراء ت عفاريته سنا كوكب جاهلي السناء (34)


ومن الكواكب التي جاء ذكرها في شعر أبي تمام ، : الشعريان ، والفرقدان ، والشعريان ، هما (( الشعري العبور )) و (( الغميصاء )) ، قال عز وجل في كتابه الكريم : (( وانه هو رب الشعرى )) (( النجم / 49 )) (( لان قوماً في الجاهلية عبدوها ففتنوا بها )) (35) و (( الشعري العبور )) نجم كبير يزهر (36) و (( الغميصاء )) (( تقابلها ، وبينهما المجرة )) (37) والثريا ، هي (( إليه الحمل وهي اشهر هذه المنازل ( 000 ) واصلها من الثروة ، وهي كثرة العدد وهي ستة انجم ظاهرة )) (38) وعندما يمدح سليمان بن وهب ، فأنه يدعو له بنوال الثريا او الشعري :

نل الثريا او الشعري فليس فتىً لم يُغن خمسين انساناً بأنسان (39)

اما الفرقدان ، فهما الشمس والقمر 0فسؤدد اسحاق بن أبراهيم ، كالشلماء بهذا الجانب ، فوضعوا لها الاسماء والنعوت ، وحددوا اوقات مطالعها ، ومساقها وصفاتها وصورها ، وشروقها وافولها 00 وفي هذا المبحث سندرس ماجاء في شعر أبي تمعريين ، ومجده مناوئاً للفرقدين، لشدة وضوحه :


لاَسحق بن أبراهيم كــــفٌ كَفَتْ عافيةِ كفَّ المرزَمَينْ

ونوراً سوددٍ وحِجا اذا مـا رَأيتَهما رأيت الشَعريـــَيَنْ

ومجدٌ لم يَدَعهُ الجودُ حتى أقــــــــامَ مُناوِءا للِفرقدينْ (40)

اما الشرطان 0 فهما : (( كوكبان 0 يقال أنهما قرنا الحمل 0 ويسميان النطح والناطح ( 000 ) وأحد الشرطين في ناحية الشمال ، والأخر في ناحية الجنوب 0 والى جانب الشمال ، كوكب صغير يعد معهما أحياناً ، فيقال الأشراط ( 000 ) وهما أول نجوم فصل الربيع 0 من عند ذلك يعتدل الزمان ويستوي الليل والنهار )) (41) وهذان النجمان قد سقيا جزع ممدوحه ، فجعلاه خضل ، ندي :


سقى الشرطان جزعك والثريا ثراك بمسبل خضل روي (42)

ويشبه الشاعر نفسه بـ ( السّماك ) و (( السماكان : كوكبان نيران يقال لاحدهما :- السماك الرامح ، لأن امامه كوكباً صغيراً 0 والأخر : السماك الاعزل ، لان ليس امامه شيء ))0(43)


طلعت طلوع السما في كل تلعة واشراق السماك على الخصم (44)


ب - الشمس :

ان لحركة الشمس في السماء ، وكذلك لشروقها وغروبها ، منازل عند العرب ، والشعراء خاصة ، لان في غروبها ظهور الكثير من الكواكب والنجوم فضلاً عن القمر ، المشهور عند الشعراء 0 اما في شروقها ، فأن الكون يضي ، ويصبح الوقت نهاراً 0

وقد استخدم الشعراء ، الشمس ، كمعادل فني ، عن الجمال ، والحسن وسمو الممدوح وما الى ذلك من الصفات 00 والشاعر أبي تمام احد الشعراء الذين وجدوا في الشمس مايغنيهم في الوصف والتشبيه وكل معاني البديع والبيان 00

قال في حوارية مع احدى الصبايا :

وقالت اتنسى البدر ، قلت تجلداً اذا الشمس لم تغرب فلا طلع البدر (45)


ولايمكن معرفة فائدة الشمس ، حتى تغيب ، فقال مادحاً :

بين البين فقدها قلما يـــــعـ ــرف فقدالشموس حتى تغيباً (46 )


وقال متغزلاً ، وواصفاً وجه فتاة :

شمس دجن تطلعت في قضيب امرت عينها بسبي القلوب

لوتحل القناع للشمس والـــــبد ر ضياء تـقـنعا بـــــغـروب (47 )

والتي يصف حسنها ، عندما تطلب من الشمس ان تأتيها ، تجدها ملبية لمطلبها :

عناءً بمن قال للشمس اقبلي للبته او جاءت على فمها تمشي (48)

اما في بائيته المشهورة ، فقد وردت كلمة (( الشمس )) مرتين 0 مرة عندما وصف ليل المعركة ، اذ أصبح على الاعداء كالنهار ، فقال :


حتى كأن جلابيب الدجى رغبت عن لونها وكأن الشمس لم تغب (49)


اما عند اندحار الاعداء ، فأن نهارهم اصبح ليلاً ، وكأن الشمس لم تطلع عليهم ، فقد قتل الجميع :


لم تطلع الشمس فيه يوم ذاك على بأنٍ بأهل ولم تغرب على غرب (50)

وشمس اعداء ممدوحه أبا سعيد الثغري ، باردة عليهم :


في ليال تكاد تبقى بخد الشمـــ ــس من ريحها البليل شحوباً (51)

وكثيرا ما كان الشاعر يمدح قصائده ، ويصفها بصفات شتى ، اذ انها سريعة الانتشار فهي تطلع على كل بلد كما تطلع الشمس على ذلك البلد :


وسيارة في الارض ليسَ بنازح على وخْدها حَزْنُ سَحيقٌ ولاسَهْبٌ

تذرُّ ذرُورَ الشَمس في كلَّ بـلدة وتـِمضي جمُوحاً مايُردُّ لها غَـربُ (52)


اما عندما يمدح عبدالله بن طاهر ، فأن مغرب الشمس يأخذ معنى الجهة التي يتركها راحلاً الى ممدوحه :


اليك جزعناً مغرب الشمس كلما وسطنا مِلاً صلّتْ عليكَ سباسبه (53)


وعندما سأل الشاعر عن وجهة سفره : هل هو الى مطلع الشمس ، أي خراسان ( شرق العراق )، يقول الى مطلع الجود :

يقول في قومسٍ صحبي وقد أخذتْ منا السرى وخطا المهريةِ القود

امطلع الشمس تنوي ان تؤمَ بـــنا فقلت كلا ولكنْ مطلع الـــــــجود (54)


وعند الاعتذار من الممدوح ، فأن الشمس تجلـّل بالكسوف :


كأن الشمس جللها كسوفٌ اواستترتْ بِرجْل ٍمِن جَرادِ (55 )


ومن جميل ماقاله الشاعر عن الاغتراب ، والترحال ، هذه الأبيات التي استحسنها النقاد :

ولـم تعطني الايـــــام نــوماً مسكناً الذ به الا بنوم مـــــــــــــــــــشرد

وطول مقام المرء في الحي مخلق لديـــباجتيه فاغـــــــــــترب تتجدد

فاني رأيت الشمس زيدت محبـــــة الى الناس اذ ليست عليهم بسرمد (56)


ويصف جمال امرأة عندما خرجت تودع ممدوحه محمد بن المستهل فغلب ضوء سناها وحسنها ضوء الشمس :


وقال متغزلاً ، وواصفاً وجه فتاة
:

شمس دجن تطلعت في قضيب امرت عينها بسبي القلوب

لوتحل القناع للشمس والـــــبد ر ضياء تـقـنعا بـــــغـروب (47 )

والتي يصف حسنها ، عندما تطلب من الشمس ان تأتيها ، تجدها ملبية لمطلبها :

طلعت طلوع الشمس في طرف النوى والشمس طالعة بطرف حسود (57)


فيما وصف لون فرس احد ممدوحيه الذي كانت صفرتة تشبه النحاس فتمتص صفرة لون الشمس عند غروبها :


ضمخ من لونه فجاء كأن قد كسفت في أديمه الشمس (58)


والمكارم التي اقرها وسيرها ممدوحة ، هي الشمس :


ان ابن طوق بن مالك ملك أقر أمر المكارم الشمس (59)


واذا غابت الشمس ، فأن نور وجه ( المحبوبة ) يضيء الخدر في ظلمة الليل كأن الشمس قد ردت في غير وقتها :


فردت علينا الشمس والليل راغــــم بشمس لهامن جانب الخدر تلمع

نضا ضوؤها صبغ الـدجنة فانطوى لبهجتها ثوب السماء المــــجزع (60)


وكانت العرب تشبه الوجه الابيض المليح بالشمس ،واجمل الوجوه من برز بين سواد شعر المرأة ،أو سواد شالها ، فيقول :


وقد سود الديوان بعض ثيابه وأحسن ماتستوضح الشمس في الدجن (61)


اما التي يتغزل بها ، فهي :


سليل الشمس انت فدتك نفسي وهل لسليل الشمس من شبيه (62)


وكذلك:


نبيل ردف دقيق خصر سليل شمس نتيج بدر (63)


وأيضا :


يا شادنا صيغ من الشمس ته بالملاحات على الا نس (64)


وكذلك :


يامن تردى بحلة الشمس ومن رماني بأسهم خمس (65)


وقد اذابه حب من تغزل بجمالها ، فأصبح كمن لايرى ، فلا ظل له تحت الشمس :

ذبت حتى ما أرى لي في مرآة الشمس ظلا (66)


ومن طريف المنافسه بالغلمان ، ما عاتب به الحسن بن وهب، الذي كان غلامه كالشمس،اما غلام الشاعر ،فهو كالقمر :


اعندك الشمس قد راقت محاسنها وانت مشتغل الاحشاء بالقمر (67)


وفي احدى قصائد المديح ، يصف خروجه ليلاً مع من يحب ، فيضيء وجهها :


قـــــــــالت وقد اعلقت كفيَّ كفَها جــــلاً وما كل الحلال بطيبِ

فنعت من شمس اذا حجبت بدتْ من نورها فكأنها لــمْ تحَجب والتي يصف حسنها ، عندما تطلب من الشمس ان تأتيها ، تجدها ملبية لمطلبها :

(68)


اما نسب ممدوحه ، فهو كالشمس علواً وسمواً :

نسبٌ كأنّ عليه من شمس الضحى نور ومن خلق الصباح عمودا (69)


اما اسنة رماح رجال ممدوحه ، فهي كالشمس لمعاناً في النهار ، وكالنجوم في الليل :

لمعت اسنته فهن مع الضحى شمس وهن مع الظلام نجوم (70)


اما في رثاء ادريس بن بدر الشامي ، فأن الاشياء تتبدل ، فتغرب الشمس من حيث تطلع :


تبدلت الاشياء حتى لخلتها ستثني غروب الشمس من حيث تطلع (71)


اما قصائده ، فقد طلعت على الناس كما تطلع الشمس :

أإياي جارى القوم في الشعر ضلة وقد عاينوا تلك القلائد مــــن نظمي ؟

طلعت طلوع الشمس في كل تلعة واشرفت اشرافَ السماك على الخصم (72)


ومن تورياته الشعرية ، تسمية الشمس ، غزالا :

كالخوط في القد والغزالة في البهــ ــجة وابن الغزال في غيده (73)

*** ***

ج- النجوم :


بسم الله الرحمن الرحيم


(( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرَّ وَالْبَحْر قدْ فَصَّلْنَا الْايَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ))

(( الانعام /97 ))


كان اهتمام العرب كبيراً بالنجوم و مواقعها ، كان ذلك في رحلاتهم للبحث عن الماء والكلاً ، او للتجارة ، في صحراء مترامية الا طراف ، و في ليلها الحالك ، فيحتاح ذلك منهم الى معرفة هيئاتها ، واوقات مطالعها ،ومساقطها ، وابراجها ومنازلها ،ا ذ كان لذلك علاقة بمعرفة الاتجاهات ، فضلا ً عن انه أساس النوء الذي يهتدون به عن هطول الامطار ومعرفة مواقيت الفلاحة والزراعة ، فربطوا بينه وبين المطر والغيث ومظاهر الطبيعة الاخرى 0

في البائية المشهورة ، كذ ب الشاعر ابو تمام ،ا ولئك الذين ربطوا بين أ نتصار المعتصم في معركة عمورية وبين ظهور النجم فخاطبهم قائلا :

والعلم في شهب الارماح لامعةً بين الخميسين لافي السبعة الشهب (74)


اذ ان ((صحيح العلم في الحرب لا ما استدللتم عليه بالنجوم والسبعة الشهب هي : زحل والمشتري و المريخ والشمس والزهرة وعطارد والقمر ) )0(75)

ويتابع الشاعر رأيه في قصيدته ، فيقول :

أين الرواية بل أين النجوم ومــا صاغوه من زخرف فيها ومن كذب

تخرصاً واحـــــــــــــــاديثاً ملفقةً ليست بنبع اذا عــدت ولا غــــــرب FACE="Times New Roman, serif">

فنعت من شمس اذا حجبت بدتْ من نورها فكأنها لــمْ تحَجب والتي يصف حسنها ، عندما تطلب من الشمس ان تأتيها ، تجدها ملبية لمطلبها :

عجائباً زعــــــــموا الا يام مجفلة عـنهن فـي صفر الا صفار أو رجب

وخوفوا الناس من دهماء مظلمة اذا بدا الكواكب الغـــربي ذو االذنب

وصيروا الا بــــــرج العليا مرتبة ماكان منقلباً أو غــــــــــــير منقلب (6 7)


ويبدأ الشاعر مديحه لأبن الهيثم باخباره ان البُعد عنه قد اضر به واسقطه كسقوط النجم :


نوى كأنقضاض النجم كانت نتيجة من الهزل يوماً إن هزل النوى جدُّ (77)


واذا كانت افعال الممدوح كما وصفها في قصيدته التي يمدح بها عمر بن عبد العزيز الطائي ، فأنه قد بلغ النجم علواً وسموا :

ياليت شعري مَن هاتا مآثـره ماذا الذي ببلوغ النجم ينتظرُ (78)


ومكان شرف الممدوح ، في موضع النجم ، عالياً ، سامياً :

البيت حيث النجم حيــ ــث الغيث في الازمة والدار خيس (79)


وكثيراً ماكان الشاعر يضيف الى النجم صفة له يكني بها ممدوحه ، فيقول مخاطباً اياه :

وطيء الخطوب وكف من غلواها عمر بن طوق نجم اهل المغرب (80)


اما ممدوحه محمد بن عبد الملك الهاشمي ، فهو ( نجم بني صالح ) :

نجم بني صالح وهم انجم العا لم من عجمه ومن عربــــــه (81)

و ممدوحه محمد بن يوسف ،هو(نجم الدجى ):

يسرىاذاسرت الهموم كأنــُه نجم الدجى ويغير حيث يغار (82)


اما في عتاب الاصدقاء، فأنه يتساءل قائلاً :-

بأي نجوم وجــــهك يستضاءُ ابـــا حسن وشيمتكَ الأباء

اتترك حاجتي غرض التوا ني وانت الدلو فيها والرشاء (83)

ومن زهده ، انه خاطب نفسه قائلاً :-


وما لاح نجمُ لا ولاذر شارق ٌ على الخلق الاّحَبل عمرك يقصرُ (84 )


اذ تمر الايام ، فيقصر العمر 0

وفي الرثاء جاءت لفظة نجم كثيراً ، ومرثيه مازال ( يقرع ) السحاب الى النجم :

فما زال يقرعُ تــــلك العلى مع النجم مرتدياً بالعماء

والصعد حتى لظن الجهول ان لــه منزلاً في السماء (85)

اما في رثائه لابي محمد ، فأنه يصفه بالنجم المشرق الذي مازال مشرق حجبت بدتْ من نورها فكأنها لــمْ تحَجب والتي يصف حسنها ، عندما تطلب من الشمس ان تأتيها ، تجدها ملبية لمطلبها :

:

الم ترني انزَفَت عيني على ابي محمد النجم المشرق آفله (86)


وابناء عبدالله بن طاهر اللذين يرثيهما ، هما :

نجمان شاء الله الا يطلعا الا ارتداد الطرف حتى يأفلا (87)


وعندما يرثي حجوة بن محمد واخيه ( قرم ) فأنه يسميهما ( نجمي هدى ) ، الاول : نجم الجدي ، والثاني نجم الفرقد :

نجما هدى هَذاكَ نجم ُ الجدي انْ حارَ الدليلُ وذاكَ نَجمُ الفَرقدِ (88)


اما في رثائه لخالد بن يزيد ، فانه يصفه بـ ( نجم المحامد ) :

أألله اني خالدٌ بعد خــــــــالدٍ وناسٍِ سراج المجد نجم المحامدِ (89)

*** ***



د- القمر والهلال والبدر :


بسم الله الرحمن الرحيم

(( وَجَعَلَ الْقمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشًّمسَ سرِاجاً ))

صدق الله العظيم

( نوح /16 )



القمر :

للقمر صحبة طويلة مع الناس ، وللعرب صحبة خاصة ، وللعشاق خصوصية اكثر ، اما الشعراء - فلرهافة مشاعرهم واحاسيسهم - فعلاقتهم به وثيقة 0

فالقمر يبدأ هلالاً ويمر بأدوار استحالته ، بدراً، وهو الذي يضيء لهم ظلمات ليل المفازات والبيد ، ويأنسهم بصبحته ، لهذا نرى الشعراء قد خاطبوه بقصائدهم ، لانه صورة للمعشوق ، وهو الانيس 0

القمر تسمية عامة للبدر والهلال ، أي تسمية ذلك الكواكب السماوي ، اما الهلال والبدر فانهما تسميتان لوضعيتين يستحيل اليهما القمر خلال ليالي الشهر الواحد 00 فيظهر هلالاً ، ثم يكبر حتى يصل الى مرحلة البدر خلال نصف شهر 0

ذكر الباحث في السطور السابقة ، ان الشاعر ابا تمام كثيراً ما كان يطلق اسماء عناصر الطبيعة على شخصياته ، وها هو يمدح الحسن بن وهب ، ويسمه بـ (( قمر الندامى والندى )) فيقول :

اميلوا العيسَ تَنْفَح في بُراها الى قَمَر الندامى والنّدِيَّ (90)

اما ممدوحه خالد بن يزيد ، فهو ( قمر القبائل ) :

كنت الربيع امامه وورائه قمر القبائل خالد بن يزيد من نورها فكأنها لــمْ تحَجب والتي يصف حسنها ، عندما تطلب من الشمس ان تأتيها ، تجدها ملبية لمطلبها :

(91)

وممدوحه محمد بن المستهل ، هو ( قمر السماء ) :

تلقاه بين الزائرين كأنه قمر السماء يلوح بين سعود (92)

و( قمر الدجى ) هو ممدوحه محمد بن الهيثم :

أأ قنّع المعروف وهو كأنه قمر الدجى اني اذن للئيم (93)


وممدوحه الاخر ، هو ( قمر الليل ) :

وخالد بن يزيد بن مــــــز يد قمر الليل شمس الضحاء (94)

ويمدح الشاعر ابن ابي دؤاد ، فيقول انه قد هتك الظلام ، فكان كالبدر ، وهو قمر السماء :

هتك الظلام ابو الوليد بــغرةٍ فتحت لـــــنا باب الرجاء المقفل

بأتم من قمر السماء وان بدا بدراً واحسن في العيون واجمل (95)


واي حياة قلقه هي حياة الشاعر الذي قضى جل عمره مرتحلاً ، فكان كما قال في هذا البيت :

غصن من البان مهتز على قمر يهتز مثل اهتزاز الغصن في البان (96)

وعندما يتغزل فأن وجه التي يتغزل بها ، يفوق بهاءً ،بهاء القمر :

مالي ارى وجهك المكنون جوهره يا املح الناس قد يزري على القمر (97 )


وفي مقطوعة شعرية غزلية ، يقول :

معتدل كالغصن الناضر ابلج مثل القمر الزاهر (98)

اما الصبية التي تغزل بها ، فهي ( قمر السماء ) ، أي انه قد غادر السماء ونزل على الارض :

اياقمر السماء سلفت حتى كأنك قد ضجرت من العلو (99)

ويقول متغزلاً ايضاً :

قمرٌ تبسّمَ عَنْ جُمانٍ نابتِ فَظَلِلْتُ أَرقُعُهُ بعين البَاهتِ (100)


وعندما يفترق عن محبيه ، فكل شيء في الوجود يظل حبيس مكانه ، اذ تتجمد الاشياء ، وتظل ساكنة :

وبنفسي القمر الذي بمحجر امسى مَصُوناً للنوى مَــبْذولا

اني تأملتُ النّوى فَــوَجَدْتُها سيفاً عليّ معَ الهوى مسلولا (101)

اما في وصفه لامرأتين ، فأنه يصفهما بـ ( القمرين :

) :

ثِنتانِ كالقَمَرَينِ صُفَّ سَنَاهُمَا بكواعِبٍ مثلَ الدَّمى أتْرابِ (102)


وفي مديحه للخليفة الواثق ، فانه يخاطبه قائلاً :

ما أحسب القمر المنير اذا بدا بدراً بأضوأ منك في الاوهام (103)


وفي بائيته المشهورة ، يصف ابو تمام مخلفات الحرب بالنسبة للاعداء خاصة سبي الجواري اللائي يضاهي حسنهن القمر :

كم مثل تحت سناها من سنا قمر وتحت عارضها من عارض شنب (104)

اما غيدائه التي وصفها في قصيدة مدح بها موسى بن أبراهيم ، فهي :

ومن فاحمٍ جعدٍ ومن كفلٍ نهدٍ ومن قمر سعدٍ ومن نائل ثمد (105)

وفي الهجاء ، يستنكر الشاعر تشبيه وجه الذي يهجوه بالقمر ، فيقول عن مغنية المهجو :

انا مجمل لكم سماجتها وجه ابن اعمش عندها قمر

ومبين لكم غثاثنــــــها لفظ ابن اعمش عندها سحر (106)

*** ***


الهلال :

ويصف الشاعر ( الحبيب ) بالهلال فيقول :

وافي الحبيب الزائر طلع الهلال الباهر (107)


ويجمع الشاعر بين الهلال والبدر وهو يمدح ابن محمد بن يوسف:

هلال لنا قد كاد يخمد ضوؤة وكنا نراهُ البدر اذ نستهلهُ (108)

اما فرحة المسلمين بمقتل الافشين ، عندما رأوه مصلوباً ، فكأنما رأوا هلال عيد الفطر المبارك :

رمقوا اعالي جذعه فكأنما وجدوا الهلال عيشة الافطار (109)


اما في الرثاء ، فأن مرثية يشبه الهلال الذي غاب ولم يطلع :


اشيبان ذاك الهلال بطالع علينا ولا ذاك الغمام بعائد (110)

اما عندما يرثي طفلاً ، يقول :

ان الهلال اذا رأيت نموه ايقنت انْ سيكونَ بدراً كاملاً (111)

اما في الهجاء ، فمهجوه هو الهلال الذي ازاله المحاق :

ياهلالاً غدا عليه المحاق اين ذاك الضياء والاشراق (112)

اما في الغزل ، فيقول :

:

كيف الوم الحسود فيك وقد رأى هلال السماءِ طوع يدي (113)


*** ***


البدر :

ان تحولات الهلال ، توصله الى ان يكون بدراً على مر ايام الشهر ، فأن الشاعر استفاد من هذه الصورة الطبيعية للقمر ، فوصف وجه احدى الصبايا قائلاً :

هي البدر يغنيها تودد وجهها الى كل من لاقت وان لم تودد (114)


وكذلك فيقول :

وبديع الجمال يضحك عن اضـ ـوائه البدر عند وقت الطلوع (115)

وفي حوار بين الشاعر واحدى الصبايا ، يقول :

قالت اتنسى البدر ، قلت تجلداً اذا الشمس لم تغرب فلا طلع البدر (116)

وفي العتاب ، يستنكر الشاعر كسوف البدر قبل ان يتم ، لان الخطوب التي مرت به كثيرة ، متداخلة ( سود وبيض ) :

لما تفوفتِ الخطوب سوادها ببياضها عبثت بــــــهِ فتفوفا

ماكان يخطر قبل ذا في فكرهِ في البدرِ قبل تمامه انْ يكسفا (117)


*** ***

3- الظواهر الطبيعية السماوية :


  1. ظواهر الطبيعة المائية :-

السحاب والغيث والغيوم والغمام والمطر والطل والندى ، من ظواهر الطبيعة المائية ، التي وردت في الشعر العربي وشعر أبي تمام خاصة ، اذ تجلت المياه الأرضية الموجودة ، والبحار والأنهار بصور شتى ، وتحولت من مكانها الأرضي الى مكانها السماوي ، لتعود مرة اخرى الى الأرض بالخير والنماء ، لهذا كانت العرب حريصة كل الحرص الى استنزالها من السماء ، لتسقي الزرع والحيوان والأنسان ، أي لتقتل الجدب والمحل ، وكان الشعراء صوت الناس في ذلك 0

ولكي يستكمل الباحث ما كان بين العناصر والظواهر من علاقات ، استهل هذا المبحث بدراسة النوء والانواء وتأثيرهما في الظواهر 0


أولا- النــــوء :

واذا كان السحاب والغيث والغيوم والمطر ، ماهي الا مظاهر تتجلى بها الطبيعة المائية ، فأن ( النوء ، والأنواء ) عند العرب لها دورها في جلب هذه المظاهر ، واستنزال المطر خاصة ، لحاجة العربي - البدوي والحضري على السواء - له 0

وكانت العرب حريصة كل الحرص على معرفة النوء ومتى يأتي ، وما يسبقه او يرافقه ، أو يليه من ظواهر اخرى ، ليبقى على صلة معه ، فعرفوا الأنواء ، وما تأتي به من مطالع سعد أو شؤم ، ومن مطر وغيث ، فكانت ابصارهم تتطلع الى النجوم علها تأتي بالبشارة لهم 0 (118)

ومعنى النوء (( سقوط النجم منها في المغرب مع الفجر ، وطلوع آخر يقابله من ساعته في المشرق ، وسقوط كل نجم منها في ثلاثة عشر يوماً ، خلا الجب ذاك الضياء والاشراق (112)

اما في الغزل ، فيقول :

:

0 ثم يرجع الامر الى النجم الاول في ابتداء السنة المقبلة 0 وكانت العرب تقول لابد لكل كوكب من مطر ، أو ريح ، أو برد ، أو مطر ، قيل : هوى نجم كذا أو أهوى )) 0 (119)

ان مصطلح الانواء ، كما يرى الباحث ، اصبح يعني – كما في زمننا الحاضر – علم تستدل به حدوث بعض الظواهر الطبيعية ، كنزول الامطار ، وهبوب الرياح ، وكمية المطر النازل ، ولم يكن بمعناه السابق ( النجم ) ، ومن هذا يمكن القول ان ابا تمام قد استخدم هذا المصطلح للدلالة على العلم وليس على النجم في اكثر من قصيدة وارجوزة 0

وقد قرأنا ديوان الشاعر ابي تمام ، فوجدناه يمدح النوء في اكثر من قصيدة ، قال :

حماد من نوء له حماد في ناحرات الشهر لاالدآد (120)


وفي قصيدة يمدح بها الحسن بن وهب ، يقول :

واحسب يومهم ان لم تجدهم مصادفَ دعوة منهم جماد

فكم نوء من الصهباء ســـارٍ وآخــر منك بالمعروف غاد (121)


ويجعل من ( عمر بن احيحة الجُلاح ) نوءً للسعادة ، فيقول :

هو نوء يُمن فيهم وسعادة وسراجُ ليل فيهم ونهار (122)

اما في قصيدة مدح أخرى ، فأنه يجعل من ممدوحه النوء الذي صمم على ان يقاتل فينتصر او يستشهد :

وَقَدْ قالَ إمّا ان اغـــــادَرَ بعدَهَا عَظِيماً وإمّا انْ أغادرَ اعْظُما

ونِعْمَ الصَّريخُ المُستغاثُ مُحَمدُ اذا حــــن نوءٌ للمنايا وأرزَما (123)


واذا كان النوء من مظاهر الطبيعة ، فأن الشاعر يجعل لممدوحه نوء يدل على كرمه القادم ، فيقول :

اذا دَرَجَتْ فيهِ الصّبَا كَفْكَفَتْ لَها وَقَامَ يُبَاِريهَا أبو الفَضْل جَعْفَرُ

بسيبٍ كأَنّ السِيبَ مِن ثَرَّ نُؤْيهِ واندِيةٍ مِنها نَدَى النوءِ يُعْصَرُ (124)


اما هدايا احد ممدوحيه ، فهي النوء نفسه :

عطايا هي الانواء الا علامة دعت تلك انواءَ وتلك مواهبا (125)


*** ***


ثانياً - السحب والغيوم والغمام :-

بسم الله الرحمن الرحيم


(( ألَم تَرَى أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلَّفُ بضيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزَّلُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ جبَالٍ فِيَها مِنْ ONT SIZE=4> (112)

اما في الغزل ، فيقول :

:

))

صدق الله العظيم

( النور /43 )


في لسان العرب ، جاء في مادة ( سحب ) : (( والسحابة الغيم السحابة التي يكون عنها المطر سميت بذلك لانسحابها في الهواء والجمع سحائب سحاب سحب )) 0 (126)

اما الغيم ، فهو : (( السحاب وقيل هو أن ترى شمسا من شدة الدجن وجمعه غيوم وغيام ( 000 ) وقد غامت السماء وأغامت و أغيمت وتغيمت وغيمت كله بمعنى وأغيم القوم إذا أصابهم غيم ويوم غيوم ذو غيم حكي عن ثعلب والغيم العطش وحر الجوف والغيمة العطش )) 0 (127)

تناول الشعر العربي القديم هذه المظاهر المائية بكثرة لحاجة الناس والحيوان والزرع اليها ، واطلقوا على هذه الظواهر اسماء وصفاتاً كثيرة ، ورسموا لها في شعرهم لوحات فنية زاهرة بالالون فتحدثوا عن السحاب وعن اسمائه وانواعه (( وما ارتفع وتراكم منه ، وما علا بعضه فوق بعض مستخدمين الوانه التي تمثل الخصب ، والمحل وفق ماكانوا يجدونه فيها من الخصب والجدب ، فاذا كان السحاب بطيئاً في سيره فذلك دليل على كثرة مائه ، واذا كام شبيهاً بالهدب متدلياً فذلك من علامات المطر بالماء ، اما اذا كان السحاب اصهب أو أحمر فذلك دليل على الجدب ، واعتمد الشعراء القدماء في رسم صور السحاب على اللون في ابراز الحقائق التي راموا التعبير عنها ، موضحين الاشكال التي ارتسمت في اذهانهم ، مستخدمين صورهم من البيئة التي يعيشون فيها )) 0 (128)

وقد استخدم أبو تمام صور وتجليات هذه السحب والغيوم في شعره 0

والسحب والغيوم هي ظواهر طبيعية ، تتكون من خلال دورة المياه في الطبيعة 0

فالشاعر وهو يمدح ، يشبه جود ممدوحه بجود الغيوم والسحب ، فيقول ، بعد ان يصف الربيع :

كنت الربيع امــامه ووراء ه قمر القبائل خالد بــــــن يزيد

فالغيث من زهر سحابة رأفة والركن من شيبان طود حديد (129)

اما ممدوحه الاخر ( جعفر الخياط ) فأن كفه سحابة تمطر بالرغائب :

شجاً من الحشى يزداد ليس يفتر به صُمنَ آمالي واني لمفطرُ

حَلفَت بمستن المنى تسترشـــــه سحابة كف بالرغائب تمطر (130)


وجعل الشاعر للسحابة عهداً يتمثل به عند ممدوحه محمد بن الهيثم ، فيشبه جوده وكرمه بهذه السحابة المعهود مطرها ، فيقول :

اسقى طلوعهم اجش هـــزيم وغدت عليهم نضرةٌ ونعيم

جادت معاهدهم عِهادُ سحابةٍ ماعهدها عــــند الديارذميم (131)


وعندما يهجو عتبة بن أبي عاصم ، لاينسى الشاعر ان السحابة تجود بخيرها ، فلا يجعلها معادلاً فنياً لهجائه ، انما يوظفها لمدح شخص آخر قد هجاه هذا المهجو ، وهم بني عبد الكريم ، الذين تتدفق من بين ايديهم سحابة الكرم والجود :

أإلىَ بني عَبدِ الكريم تَشَاوَسَــــتْ عَيْناكَ ويلَـَك خـــِلــْفَ مَنْ تَتَفوّقُ

قومٌ تراهمْ حــينَ يطرقُ حــــادثٌ يسمونَ للخَـــطبِ الجليلِ فيُطرقُ

بيض إذا اسودَّ الزمانُ تــوضَّحُوا فيه فَغُــودِرَ وهـــوَ مِنهمْ ابـلـَقُ

مازالَ في جَرمِ بنِ عَــــمْرو مِنْهُمُ مـفتــاحُ بـــابٍ للّنــدى لايُـغْلـَــقُ

ماأُنشِئـتُ للـمكـُرماتِ ســــحــابــةٌ إلاّ ومــــــن أيـديـــهمُ تـتدفـــــقُ (132)


ويذكر الشاعر في مستهل قصيدته الطل والدمن ، لا لأنه يريد ان يكتب قصيدة على النمط الجاهلي ، وانما يريد ان يصف كيف ان مهجوه سيكون مصيره هكذا ، حتى ان السحاب يتفرق من سمائه فلا يأتي بالمطر :

الـــدار ناطقـة ولــيست تنــطق بــدثـورها ان الجــديد سيخــلـق

دِمن تجمعت النوى فــي ربعهـا وتفرقت فيها السحاب الــــــفرق (133)


فشتان بين هذا السحاب المتفرق في بداية القصيدة ، وبين السحاب الذي يتدفق من بين ايدي ممدوحه بالمكرمات 0

واذا كانت السحابه علامة للخير والنماء ، فان الشاعر وهو يرثي إدريس بن بدر الشامي ، يجعلها تقلع دون ان ينهمر مطرها ، لان جود الميت انتهى بموته :

وقمنـا فقـلنـا بعد ان افـرد الثـرى به ما يقــال في السـحابة تتقلـعُ

الم تك ترعانا مــن الدهر إن سطا وتحفظ من آمالنا مـــــــــايضّيع (134)


ومن مآثر العرب ، انهم يؤثرون على انفسهم اشياء هم في امس الحاجة لها 00 فها هو ابو تمام وهو يمدح خالد بن يزيد ، يذكر كعب بن مامه الذي (( آثر على نفسه بماء كان معه ، فسقى صاحباً له نهدياً وعطش هو فمات قبل ان يلحق بالماء ))(135) :

هذا الذي خلف السحاب ومات ذا في المجد ميتة خضرم صند يد

ان لا يكن فيها الشهيد فقومــــه لا يسمحون بـــــــه بالف شهيد (136)

وفي قصيدة مدح آخرى ، يستهلها بمخاطبة البرق ، مطالباً اياه ان يحدي السحاب الى الاطلال ( الدمن ) التي اوقفت ركب الشاعر وابكته على حالها ، وما آلت اليه ، وانسته ما كان يريد ، لان هذه ( الدمن ) بحاجة ماسة للسحاب ، كي تعود إليها الحياة :


يابرق طالع منزلاً بالا بـــرق وأحدُ السحاب له حداء الاينق

دمن لوت عزم الفؤاد ومزقت فيها دموع العين كـــل ممزق (137)


ويتمنى الشاعر لاحبائه الذين ارتحلوا الى مكان آخر ، السحاب الحواشك ، ( أي الغزيرة ) :


سقت ربعهم لابل سقت منتواهم من الارض اخلاف السحاب الحواشك

والبسهم عصب الربيع ووشــيه ويمُنته بنت الندى المتلا حــــــــــــك (138)


وعندما يمدح ، فأنه يصف هبات الممدوح التي قطعت المسافة من بغداد الى الموصل ، واقامت كالسحابة في سماء الموصل مهطالة :


وعندما يهجو عتبة بن أبي عاصم ، لاينسى الشاعر ان السحابة تجود بخيرها ، فلا يجعلها معادلاً فنياً لهجائه ، انما يوظفها لمدح شخص آخر قد هجاه هذا المهجو ، وهم بني عبد الكريم ، الذين تتدفق من بين ايديهم سحابة الكرم والجود :

أإلىَ بني عَبدِ الكريم تَشَاوَسَــــتْ عَيْناكَ ويلَـَك خـــِلــْفَ مَنْ تَتَفوّقُ

قومٌ تراهمْ حــينَ يطرقُ حــــادثٌ يسمونَ للخَـــطبِ الجليلِ فيُطرقُ

بيض إذا اسودَّ الزمانُ تــوضَّحُوا فيه فَغُــودِرَ وهـــوَ مِنهمْ ابـلـَقُ

مازالَ في جَرمِ بنِ عَــــمْرو مِنْهُمُ مـفتــاحُ بـــابٍ للّنــدى لايُـغْلـَــقُ

ماأُنشِئـتُ للـمكـُرماتِ ســــحــابــةٌ إلاّ ومــــــن أيـديـــهمُ تـتدفـــــقُ (132)


قطعت الى الزابيين هــــباته إلثاث مأمور السحاب المسيل (139)


ومن طريف ماجاء في شعره ، ( آداب السحاب ) ، فما هي تلك الآداب التي يشبه بها ممدوحه ؟ اليست هي تواصلها ، وغزارة امطارها ، فتخصب الارض بعدها :

مواهب جدن الارض حتى كأنما اخذن بآداب السحاب الهواطل (140)


ويبقى سحاب أبي تمام مما يوصف بالادب ، وبالشيم الكريمة ، ذلك لان هذا السحاب كريم مع الناس والحيوان والارض ، كثير العطاء ، لذا شبه به ممدوحه ، لان عطاء هذا السحاب دون مقابل كعطاء ممدحه :

واذا المواهب اظلمت البستهــا بشراً كــــبارقةِ الحسام المخذم

اعطيت مالم تعطه ولوإنقضى حسن اللقاء حــرمت مالم تحرم

لقددت من شيــم كأنّ سيـورها يقددن من شيمِ السحاب المرزم (141)


ومن اخلاق وشيم هذا السحاب ، بكاؤها على حبيبها المدفون في الارض التي كثر تهطالها عليها :


كأن السحاب الـغرغَيّبن تحتها حبيباً فما ترقا لهن مدامع (142)

وكذلك من طريف مايوصف به شعر المدح الذي قبل في القاسم بن عيسى العجلي ، ومن قبله اجداده ، انه سيال جار ، يعقب بعضه بعضاً كالسحاب :

ولوكان يغنى الشعر افناء ماقرت حياضك منه في العصور الذواهب

ولكنه صوب الـــعقول اذا انـثنت سحائب مــــــــنه أعقبت بسحائبِ (143)


واذا كان النقاد القدامى قد تعددت آراؤهم وتفسيراتهم لشعر ابي تمام ، فأن البيتين الآتيين ، قد قيل عنهما الكثير ، الا ان احد هذه الاقوال ، هو ما يعطي معناه من ظاهر قوله :

ليالينا بالرَّقمَتَيِن وأَهـــــــــِلهَـــــــــا سقى الَعَهْدَ مِنكِ العَهْدَ والعَهْدَ العَهْدُ

سحابٌ متى يَسحَبْ على النَّبتِ ذَيلَهُ فَلا رَجِلٌ يَنْمُو عَــــــــــــلَيهِ وَلاجَعْدُ (144)


وفي شعر الفخر ، يجعل للسحاب منايا ، فيقول :


فمن شاء فليفخر بما شاء من ندىً فـليس لحـيً غيرنـــا ذلك الفخـــــر

جمعنا العُـلى بالجود بعد افتراقهــا الينا كـما الايـــام يجمعــها الشهــر

بنجـدتنـا القــت بنجـــدٍ بعاعَــــــها سحاب المنايا وهي مظطلمة كــدر (145)


وتعددت اسماء وصفات السحاب ، فمن تلك الصفات ( الدجَنّة ) وهي : اطباق الغيم في السماء ، والوطفاء ، وهي :الدانية من الارض ، قال :

ومعرس للغيث تخفق بينه رايات كل دجنة وطفاء (146)


واذا كان الشاعر قد جاء بالسحاب والغيوم والغمام في قصائد عامة جاء ت في باب المديح والهجاء والرثاء ، فأن له قصائد خاصة بالو فيه فَغُــودِرَ وهـــوَ مِنهمْ ابـلـَقُ

مازالَ في جَرمِ بنِ عَــــمْرو مِنْهُمُ مـفتــاحُ بـــابٍ للّنــدى لايُـغْلـَــقُ

ماأُنشِئـتُ للـمكـُرماتِ ســــحــابــةٌ إلاّ ومــــــن أيـديـــهمُ تـتدفـــــقُ (132)


0 من هذه القصائد ما يشبه بها السحابة بـ ( العير ) المتحركة والجادة في حركتها ، أي ان سحابته كقافلة من الجِمال ، متحركة طيلة النهار ، وهذا يعني ان سماء ذلك اليوم كانت حبلى بالمطر ، فيقف امامها مندهشاً :

لمْ أرَ عَيْراً جَـمّةَ الــــدَّؤوُبِ تُــوَاصِــلُ التَّهجـِيرَ بالتّــَأويــبِ

أبْعَدَ مِنْ أَيْنٍ ومِــنْ لَغُــــوبِ مِنها غًداةَ الشَّارِقِ المهضُـوبِ

نجائباً وَلَيــسَ مِــنْ نَجـــيبِ شَبَّابَـةَ الأعْــناقِ بالعُـجُــــــوب

كالليل او كالّلوبِ او كالثّوبِ مُــنقادةٌ لعـــارِضٍ غِــــرْبـــيبٍ(147)


ويستمر الشاعر في وصف هذه السحابة التي حجبت عن الارض نور الشمس والتي فرحت لها الارض كما يفرح المريض لمرآى الطبيب او الحبيب لمرآى المحبوب ، ثم بدأ الرعد يقصف ، والريح تدفع بها ، فهطل المطر ، اما سحابته الاخرى والتي يصفها في احدى اراجيزه فهي :

ســــارية مسمّحة القيادِ مسودة مبيضة الا يـــادي

سهّادة نوامـــة بالوادي كثيرة التعريس بالوهــــادِ

نزاّلة عــــندَ رِضا العبادِ قد جعلت للحملِ بالمرصادِ

سبقت ببرق ضرم الزناد كأنه ضمائر الأغــــــــمادِ

ثم برعدٍ صـخب الارعاد يسلقها بألسنٍ حـــــــــدادِ

واختلط السواد بـالسواد اظفرت المُزن بــــما تفادي (148)


ان هذه الارجوزه ، لوحة تشكيلية ، بألوان جذابة ، وليست نقلاً عما هو منظور بالعين ، بل بما تراه مشاعر واحاسيس الشاعر من منظر هذه السحابة0

ان ادوات صورته الشعرية ، هي حسية ، مادية ، طبيعية ، الا ان ما يميزها هو هذا الخيال الرحب الذي اعاد صياغة ما يرى بفرشاة الفنان ، وفي ارجوزة اخرى ، يصف سحابة ، فيقول :


سارية لم تكتمل بغمض كدراء ذات هـــطلان محض

موقرة من خلةٍ وحمض تمضي وتبقي نعماً لاتمضي

قضت بها السماء حق الأرض (149)

وفي لاميته التي يصف فيها مطلبه وتعذر الرزق عليه ، يصف سحابة ويربط بينها وبين مااستهل به قصيدته عن ( الخمر ) وماتفعله في شاربيها فيشبه تأثير الخمرة ، بتأثير الغيث في الأرض الجدباء :

سقى الرائح الغادي المهجر بلدة سقتني انفاس الصبابة والخبل

سحاباً اذا القت على خِلـفِه الصبا يداً قالت الدنيا اتى قاتل المحل (150)


وليس السحاب هو المظهر الطبيعي الوحيد للماء الذي استخدمه أبو تمام في شعره ، اذ نجد قصائده قد تناولت الغمام ، والغمامة في اكثر من موضع ، والغمامة : (( بالفتح السحابة والجمع غَمام وغمائم)) (151)

فعندما يمدح الشاعر أبا دلف العجلي ، يشبه صولته عند مقاتلته بابك الخّرمي بالغمامة التي سالت منها الرماح والخيول الضامرة :

بأرشَقَ إذْ سَالَتْ عليهم غَــمامَةٌ جَرَتْ بالعَواِلي والعِتاق الشَّوازبِ

نَصَلْتَ لهم سَيفَينِ رأياً ومُنْصُلاً وكلُّ كَنَجمٍ في الدُّجنّةِ ثــــــــاقبِ (152)


وهناك الغمامة المغمورة بالبروق ، والضاحكة بالرعود ، ذلك لان ممدوحه هو ( أحمد المحمود ) وهو قمر السماء :

فخططت تحت غمامة مغمورة بحيا بروقٍ ضاحكاً ورعود (153)


اما ممدوحه الاخر ، فهو كالغيث :

ورأيتني فَسَأَلتَ نَفسَكَ سَيْبَها لي ثمَّ جُدتَ وماانتظرتَ سُؤالي

كالغيثِ ليسَ لهُ ، أُريدَ غَمَامهُ أَوْلمْ يُـــــــــرَدْ ، بُدٌّ مِنَ التّهطال ِ (154)


وقد ذكر الباحث عند حديثه عن صورة الماء في شعر أبي تمام ، ماء الملام وماء الوصال0 فعندما يمدح صديقه الشاعر علي بن الهيثم ، فأنه يؤكد له ان ( ماء الوصال ) الذي بينهما هو ماء عذب وقد تحدر من نبع واحد ، ومن غمام واحد :


ان يُكْدِ مُطَّرفُ الإِ خــــاءِ فأننا نَغدُو وَنَسري في إِ خاءٍ تالِدِ

أَوْ يَخْتلِفْ ماءُ الوصَالِ فماُؤنا عَذْبٌ تَحَدر من غَــمَامٍ واحِدِ

أَوْ يَفْتَرقْ نَسَبٌ يؤلّـــفْ بَينَنــَا أدبٌ أَقمْناُه مُقَامَ الـــــــــوالدِ (155)


وعندما يمدح محمد بن يوسف حين خروجه من عمّورية الى مكة ، فأنه يتساءل بعد ان تركه بين اناس فيهم ( الجود اخرس ) فيما وعدُ ابن يوسف مازال قائماً :

لله وحدُ المهاري أي مكرمة هزت واي غَمَام قلقلت خضل ! (156)


وقال وهو يمدح المأمون ، ان ايامه كلها ممطرة ، أي ان ايامة كلها خير ونماء وعطاء :

لامــر يوم واحد الا وفـــــي احـشائه لـمحـلتيك غَمَام

حتى تعمم صُلع هامات الربا من نوره وتآزر الاهضام (157)

ويستخدم الشاعر ( الغَمَام ) في بائيته المشهورة ، استخداماً ليس فيه خير للاعداء ، اذ اليوم الذي تكشف به الغَمَام على الاعداء ، كان يوماً اسود ، اما بالنسبة لاصحاب المعتصم فهو ( طاهر جنب ) :


تصرح الدهر تصريح الغمام لها عن يوم هيجاء منها طاهر جنب (158)

و( ماء الغمام ) يرد في قصيدته التي يمدح بها خالد بن يزيد ، فيقول :

اذا افتخرت يوماً ربيعة اقبلت مجنبتيْ مجد وانت لها قلب

يجف الثرى منها وتُربك لـينٌ وينبو بها ماء الغمام ولاتنبو :

بأرشَقَ إذْ سَالَتْ عليهم غَــمامَةٌ جَرَتْ بالعَواِلي والعِتاق الشَّوازبِ

نَصَلْتَ لهم سَيفَينِ رأياً ومُنْصُلاً وكلُّ كَنَجمٍ في الدُّجنّةِ ثــــــــاقبِ (152)


وهناك الغمامة المغمورة بالبروق ، والضاحكة بالرعود ، ذلك لان ممدوحه هو ( أحمد المحمود ) وهو قمر السماء :

(159)


ويصف في قصيدة اخرى ، الجواري والنعيم الذي يرفلن به والذي ذاب لهن كما يذوب الغمام :

خفت دموعك في إثر الحبيب لدُن خفت من الكُثبِ القضبانُ والكثبُ

من كل ممكورة ذابَ النعيم لهـــا ذوب الغمام فمُنهلٌ ومــــنكسب (160)


ومن المعروف ، ان الغمام سمح ، فيشبه الشاعر ممدوحه بهذه السماحة :


رمى الله منه بابكاً وولا تــــه بقاصمة الاصلاب في كـل مشهد

بأسمح مِن غُرّ الغمام سماحة واشجع من صرف الزمان وانجد (161)


والغمام قد شعف بأرض ممدوحه ، ذلك لتواصل هطول المطر :

ارسَى بعرصتك النَّدَى وَتَنَفّسَتْ نَفَساً بِعَقْوَتِكَ الرياحُ ضَعِيفا

شُعِفَ الغَمَام بَعَرْصَتَيكَ وَرُبَــمَّا رَوَّتْ رُباكَ الهائِمَ المَشغوفا (162)


واذا كان الغَمَام فيه الخير والنماء ، وهو معادل فني للكرم والجود ، الا ان الشاعر يجعل من ( الغَمَام الفظ ) عدواً لمحمد بن يوسف الثغري وجيشه ، الذي عاد به خوفاً من تأثيره :

ثم آبتْ وأُبتَ خوفَ الغَمَام الــــ ــفظَّ ذوفــكرةٍ وقَلْبٍ خَفُوق

لا تبالي بوارقَ البيض والسمــ رِ ولـــكن بَـالَيتَ لَمعَ البُروق

تَشْنَأُالغيثَ وهـــــــوَ حَقُّ حَبيبٍ رُبَّ حَزمٍ في بِغْضَهِ المَومُوق (163)


لقد جمع الشاعر في هذه الابيات الثلاث ، ثلاثة مظاهر من مظاهر الطبيعة ، وهي الغمام والغيث والبرق 0 وفسرت هذه الأبيات سبب عودة ممدوحه بجيشه من أرض العدو في فصل الشتاء امام ( الغمام المسبل ) 0

قد جاء في وصف كرم ممدوحه انه اختاره جاراً :

بوأت رحلتي في المرادِ المقبلِ فرتعتُ في إثرَ الغَمام المسبلِ

مـن مبلغٌ أفناءَ يعربَ كلهــــــا اني ابتنيتُ الجارَ قبلَ المنزلِ (164)


ويمدح آخر فيقول :

ياسليمان تَرّفَ الله أرضاً انت فيها بمستهلِ الغَمامِ (165)

وآخر يمدحه ، قائلاً :

نشأتْ مِـــــن يَمِينهِ نفحاتٌ ماعليها إلا ان تكونَ غيوما

البستْ نجداً الصنائعَ لاشيـ ــــحاً ولاجَنْبةًً ولا قَيصُوما

كرُمَتْ راحتاهُ فــــي ازَمَاتٍ كانَ فيها صَوْبُ الغَمَام لئيما (166)


اما عندما يمدح الواثق ، فأن كرمه وجوده كالغمام الخضل :

( أحمد المحمود ) وهو قمر السماء :

الفوا امير المؤمنين وجوده خضِل الغمام وظلهُ مسكونُ (167)

*** ***


ثالثاً – المطر والطل والديم والندى والمزن :

اذا كانت السحب والغيوم والغمام ، ظواهر طبيعية ، تتكون بفضل دورة المياه في الطبيعة ، فان اكتمال هذه الدورة ، هو النتائج التي تأتي بها هذه الظواهر وهو المطر ، وهي كذلك ظواهر اخرى من ظواهر الطبيعة المائية ، ونقصد بها الأمطار ، والديم والمزن ، وهو ما ينتظره الناس ، لان السحاب والغيوم التي لاتجلب المطر لافائدة منها لانها ( خلب ) لارجاء منه 0

وهكذا ، تغنى الشعراء بهذه الظواهر ،لانهم كانوا ينتظرونها بفارغ الصبر ، لتسقي الانسان والحيوان والنبات 0

وكانت قصائد أبي تمام تتغنى بهذا المطر ، لا لأنه المطر فحسب ، بل لأنه جعل منه معادلاً فنياً لكرم وفضائل وشمائل ممدوحيه ومرثييه 0


المطر :

اما الوصف الخالص للمطر ، فقليل في شعر ابي تمام ، فمن الرجز ، يقول :

اما ترى ما اصدق الا نـــواء قد افنت الحجرة واللأواء

فلو عصرت الصخر صارماء من ليلة من ويـلـها لـيـلاء

ان هـي عادت ليـلة عــــدا ء اصبحت الارض اذن سماء (168)


وقد وصف الشاعر غيثاً ، وكيف نشأ ، وكيف أبرق ، وكيف امطر في ارجوزته هذه ، وهي مليئة بعناصر وظواهر الطبيعة كالليل والارض ، والرعد والريح والشمس والثلج والجنوب والغيث0

اما ارجوزته الاخرى التي يمدح بها النوء الذي جاء بالسحابة ( السارية ) ( المسمحة القيادة ) و ( المسودة المبيضة الايادي ) ، فأن البرق يسوقها ، ويسلقها الرعد بـ ( السن حداد ) يجعلها تهطل مطراً غزيراً ، وعندما يصل الحال بالسحابة الى الهطلان ، يصف الشاعر سقوط المطر، فيقول :

واختلط السوادِ بــالسواد اظفرت المزن بما تغادي

فرويت هاماته الصوادي كم حملت لمقتر من زاد

ومـــــن دواء سنة جماد وجات مـــن روقه العتاد (169)


وفي قصيدة اخرى يصف فيها هطلان المطر ، جاعلا منه معادلا فنياً للعيون البواكي لفقد الحبيب ، فيقول :


الغيم من بين مغبوق ومصطبح من ريق مكتفلات بالثرى دلح

دهم اذا ضحكت في روضة طفقت عيون نوارها تبكي من الفرح (170)


ويخاطب الشاعر اخيه ( سهماً ) واصفاً له انهطال المطر، فيقول :


ياسهم للبرق الذي استطارا بات عـــلى رغم الدجى نهارا

( أحمد المحمود ) وهو قمر السماء :

حتى اذا مـــا انجدَ الابصارا وبـــــلاً جهاراً وندى سـرارا

آ خــــــى لنا ماء وكان نارا ارضى الثرى واسخط الغيارا (171)


اما الغمامة التي جاء تهم ( سارية ) فقد ( مضت بها السماء حق الارض ) بعد ان هطل ما ؤها :

سارية لم تكتحل بغمض كدراء ذات هــطلان محض

موقرة من خلط وحمض تمضي وتبقي نعماً لاتمضي

وقضت بها السماء حق الارض (172)


الا ان الشاعر لايكتفي بهذا القدر من وصفه للمطر ، أو تكونه ونزوله ، وما يفعله في الارض ، بل راحت قصائده في المدح والرثاء تعج بهذا الجو الطبيعي الممطر 0

ولا يستخدم الشاعر لفظة المطر فقط ، بل يصفه في اكثر الاحيان ، فمرة هو ( الوابل ) وقد مثلنا عن هذه الالفاظ بأكثر من بيت شعري ضمن سياق البحث 0

في احدى قصائده يصف مطراً ، فيقدم صورة خلابة له ، اذ يشبه نزوله بخيوط ممتدة من السماء الى الارض ، فيقول :


فسقاه مِسكَ الطلِّ كافور الصَّبا وانحلَ فيهِ خيط كل سماء (173)


وهو في وصفه هذا يجعل من المطر معادلاً فنياً لجود وكرم ممدوحه الذي هو( معرس الغيث) ومحط رحال الرجال 0

وبأحساس الشاعر المرهف ، والمخيّلة ذات الافق الواسع ، ترك الشاعر ناقديه في حيرة من امرهم ، اذ ان مخيلته رأت ان المطر النازل ( يذوب الصحو منه ) وهي من اجمل الصور الشعرية ، فيما يرى بعضهم انه قال ( يدور ) وبعضهم قال ( يذوق ) ، الا انهم ، نسوا ان الشاعر يرى بعيون احاسيسه ، ومشاعره ، وليس بعيونهم هم :


مطرٌ يذوبَ الصحو مِنهُ وبعدُه صحوٌ يكاد منَ الغَضَارة يمطرُ (174 )


واذا قلنا فيما سبق ، ان الشاعر يستخدم المطر والغيث ، وكل عناصر الطبيعة وظواهرها معادلاً فنياً لمواهب وكرم ممدوحه او مرثيه ، فأن الصور الشعرية التي يأتي بها تتغير بين قصيدة واخرى ، فيقول في قصيدة له :


أنضَرَت ايكَتي عَطاياكَ حــــتّى صار ساقاً عودِي وكانَ قضيبا

مُمطراً لي بالجاهِ والمالِ ما ألـ ـقاكَ إلا مُستَوهِباً او وهـــــوبا (175)


وفي باب الغزل يجد الشاعر ، ان خده قد اصبح ارضاً لمطر عينيه لبعد من يهواه ، فقال :


مطر من العبرات خدي ارضهُ حتى الصباح ومقلتاي سماؤه (176) ( أحمد المحمود ) وهو قمر السماء :


ان دموع العينين يشبههما الشاعر بالمطر ، فيقول :

فلو ترى عبرتي والشوق يسفحها لما التفت الى شيء من المطر (177)


*** ***


الطل :


(( الطل : اضعف المطر ، وجمعه طلال ، تقول منه ( طلت ) الارض و ( طلها ) الندى فهي مطلولة )) 0 (178)

وقد استخدم الشاعر هذه المفردة كناية عن حسن كتابة القلم في واحدة من قصائده التي مدح بها محمد بن عبد الملك الزيات 00 وقد حوت مجموعة من الابيات الجميلة في وصف القلم ، اذ قال :


لَكَ القَلَمٌ الأعــــــــلى الذي بشَباتِةِ تُصَابٌ من الأمْــرِ الكُلَى والمفاصِلٌ

لـــَهُ الخَــلَواتُ اللاّءِ لــولا نَجِيُّهــا لمَا احتَفَلَتْ لِلمُـــلْكِ تِلكَ المَـحَافِـــلُ

لُعَابُ الأ فاعِــــيِ القَاتِلات لُعَابُــــهُ وأَرْيُ الجَنَي اشتارَتْهُ أَيدٍ عواســِلُ

لهُ ريقةٌ طَــلُّ ولـــكـنَّ وَقْعَـــــــها بآثارِهِ في الَّشرقِ والغَربِ وابِـــــلُ

فصيجٌ إذا استَنْطَقْتَهُ وهـــوَ راكِبٌ واعجَمُ إنْ خَاطَبتهُ وَهْــوَ راجِـــــلُ

اذا ما امتَطَى الخمس الّلطاف وأفر غَتْ عــليهِ شِعابُ الفِكروهيَ حوافِلُ

اطاعتهُ اطــــــرافُ القنا وَتَقَوَّضَتْ لِنَجْواهُ تقويضَ الخّيامِ الجحَافِــــــلُ (179)


ويستخدم الشاعر مفردة ( طل ) في قصيدة اخرى مع الدمع ، اذ يصف دمعه بالجاري وبله 000 وقد تحولت الصورة الشعرية لهذا البيت مما هو حسي الى ما هو ذهني ، لهذا يقول الآمدي : (( اراد ان الشوق دعا ناصراً ينصره فلباه الدمع ، بمعنى انه يخفف لاعج الشوق ويطفيء حرارته ، وهذا انما نصرة المشتاق على الشوق )) 0(180)


لقد احسن الدمع المحاماة بــعدما اساء الاسى اذ حاور القلب داخله

دعا شوقه يا ناصر الشوق دعوة فلباه طــــل الدمع ِ يجري ووابله (181)


ويأخذ الكرم والجود مساحة واسعة في مراثيه ، فيستخدم ( طل الجود ) الذي ( تقشّع ) بعد موت مرثيه :


فمن مبلغ عـــني ربيعة انه تقشع طل الجود منها ووابله (182)


وفي قصيدة اخرى ، استخدم الشاعر لفظتي ( مسك الطل ) ، فقال :


( أحمد المحمود ) وهو قمر السماء :

فسقاه مسك الطل كافور الصبا وأنحل فيه خيط كل سماء (183)


والفرق كبير بين الطل ( = المطر القليل الخفيف ) ووابل المطر ، فعندما رثى الشاعر ابني عبدالله بن طاهر ، تمنى عدم موتهما ، لانهما عندما يكبران – لوشاء الله ان ابقاهما في الحياة – سيصبحان من رجالات الكرم والحلم والجود :


ولا عقب النجم المرذ ّ بديمة ولعاد ذاك الطل جودا ً وابلا (184)


*** ***


الديم :

هكذا يستخدم الشاعر المطر ، ليشكل منه صور شعرية عديدة ، مختلفة الالوان ، اما في قصائد اخرى ، فيستخدم بدلاً عن المطر ( ديمة ، وديم ) (185) وفي قصيدة مديح ، يستهلها الشاعر قائلاً:


ديمة ٌ سَمْحَةُ القيادِ سَــكـــُوبُ مـستغيثٌ بها الثّرى المَكْــــروبُ

لو سَعَتْ بُقعةٌ لإعظامِ نُعـْــمـى لـَسَعَى نَحْوَها المكانُ الجَـــــديبُ

لَذّ شُؤبُوبُها وطابَتْ فـَلَوْ تَسْــــ ــطِعُ قامَتْ فَعَانَقَتْها القـــــُلـــُوبُ

فهَي ماءٌ يَجري ومــاءٌ يـليـــهِ وَعَـزالٍ تُنْشَى وأخْرى تَــــــذُوبُ

كشفَ الروضُ رأسهُ واستَسـَرّ المَحْلُ منها كــما استَسَرَّ الـمُرِيبُ

فإذا الريُّ بَعَدْ مـَحلٍ وجــرْجـــا نُ لديها يَبْرينُ أو مَــــــــلـحُـوبُ

ايها الغيثُ حـــيّ اهــلاً بمغــدا كَ وعنـــدَ السُّرى وحِينَ تـــَؤوبُ (186)

وفي قصيدة يمدح بها المعتصم ، يخبر اعداء الخليفة ، بأن مارأوه من قتال جند الخليفة لهم ، ما هو الا ( ديمة ) لان ما سيأتي بعدها اكبر من كل هذا :


فهذا دواء الداء مــــــــن كل عالم وهذا دواء الداء من كل جاهل

فيا ايها النوام عــــــن ريق الهدى وقد جادكم من ديمة بعد وابل

هو الحق ان تستيقظوا فيه تغنموا وان تغفلوا فالسيف ليس بغافل (187)


والربيع الذي اصاب الجزيرة ، فأنه اصابها بسبب ( الديمة ) ، لهذا طالب الشاعر بني جشم أن( يشيّموا ) ندى ممدوحة ، فقال :

نالَ الجزيرةَ امحالٌ فقلتُ لـهُمْ شِيموُا نداهُ اذا ما البَرقُ لم يُشمَ

فما الربيعُ على أُنس البلادِ بهِ اشــدَّ خُضْرةَ عُودِ منهُ في القُحَم

ولا ارى ديمةً انجى لمسغـبةً مــــنهُ على أنَّ ذِكراً طاب لِلدَّيمِ (188)

ZE=3 STYLE="font-size: 13pt">:


( أحمد المحمود ) وهو قمر السماء :

وأذا كان الشاعر يمدح ممدوحه لاستمرار عطاياه ، فأن خير ما يشبه عملية هذا الاستمرار ، هو الديمة التي يمطرها الممدوح ، وكأنه يباهي السحاب بكثرة تلك العطايا :


ولا تـناهي كـــل مخلوق لقد خلنا نوالك لـــــيس بالمتناهي

ما زلت تمطر ديمة مع وابل حتى كــــــأنك للسحاب تباهي

ولقد وعدت مواعداً فنبذتها خلفي ووعدك ما يزال تجاهي (189)


واذا انحبس جود احدهم عن الشاعر ،فأن هذا الانحباس ، سيعم الديم نفسها فيحبسها عن الارض :


حبست فأحتبست من حبسك الديم ولم يزل نابياً عن صحبك العدم (190)

ويصور الشاعر نتائج معركة الافشين مع اعدائه، اذ يرى جماجمهم تتساقط على اهلهم كنزول الديمة :

جادت عليهم من جماجم اهلها ديم امارتها طلى وشؤون (191)


*** ***



الندى:

وهو (( البلل والندى ما يسقط بالليل والجمع أنداء وأندية على غير قياس قال الجوهري هو شاذ لأنه جمع ما كان ممدودا مثل كساء وأكسية قال ابن سيده وذهب قوم إلى أنه تكسير نادر وقيل جمع ندى على أنداء وأنداء على نداء ونداء على أندية كرداء وأردية )) 0(192)

يكثر استخدام الندى ، وصوره المتعددة في قصائد أبي تمام وخاصة قصائد المديح ، اذ احتوت اكثر من ثمانين قصيدة من شعره على هاتين المفردتين ( ندى ، الندى ) ، ومن مديحه :

له كل يـوم شمـلُ مـجـدٍ مــؤلفٍ وشملِِ ندىً بين الـعفاة مـشت

ابا الليث لولا انت لا نصرم الندى وادركتِ الاحداث مـــــاقد تمنت (193)


وهذا استخدام مجازي ، اذ ان الندى هنا بمعنى الكرم والجود ، أي ندى الخير 0

اما عندما يمدح ابن أبي دؤاد ، فيجد في ( ندى كفيه ) أي في كرمه، الموعد الحقيقي في حياته ولاموعد غيره :


معاد البعث معروف ولكن ندى كفيك في الدنيا معادي (194)

وكذلك يأتي الندى معادلاً فنياً للكرم ، فيقول :


له لواء ندى ماهز عامله الااراكَ لواء َ البخل منكوساً (195)


ومن صفات ممدوحه غير مقاتلة الاعداد :

اذا كان فخراً للمدح وصــفه بيوم عقاب او ندى منه هامل

فكم لحظة اهديتها لابن نكبةٍ فاصبحَ منه ذا عِقابٍ ونــــائل (196)


ومن صفات ممدوح آخر ، انه :


( أحمد المحمود ) وهو قمر السماء :

حليف ندى وترب علا اذا ما هتفت به وسيفُ خليفتين (197)


وممدوح آخر قد سن الكرم والجود وحوى مكارم اخرى :

يحيى بن ثابت سن الندى وحوى المكارم من حياً وحياء (198)


اما عطايا ممدوحه ابن طوق فهي ( الخضل الندى ) :

يعطي عطاء المُحسن الخضلِ الندى عـفواَ ويعتذراعتذار المذنب (199)


وقد مدح عياش بن هليعة بأجمل صور المدح ، حين قال :

اذا أمّهُ العافون الفوا حياضه ملاءً والفوا روضه غير مجدبٍ

اذا قال اهلاً مرحباً نبعت لهم مياه الندى من تحت أهلٍ ومرحبٍ (200)

وكذلك :

وطلبت ودي والتنائف بيننا فنداكَ مطلوبُ ومجدكَ طالبُ (201)


ويصف الشاعر سحابة غير قليلة الندى ، أي المطر :

وتارَكَتْ وَجْهَهُ الشَّمالَ فَقُلْ لافي نَزُور النَدَى ولاَحِقبهْ (202)


وفي قصيدة يمدح بها الواثق ، يحشد الشاعر مجموعة من هذه الظواهر :

سيروا بني الحاجات ينجح سعيكم غيثٌ سحابُ الجود منه هتون

فالحادِثات بوبـــــــــــله مصفودة والمحلُ في شؤبُوبه مسجون (203)


*** ***


المزن :

وقد استخدم الشاعر هذه اللفظة كثيراً ، وهي :- (( السحابة البيضاء والجمع مزن 0 والمزنة أيضاً المطرة )) 0 (204) قال مادحاً الوائق :

يابن الخلائف ان بردَكَ ملؤهُ كرمٌ يذوب المزُن منه ولينُ (205)

ويقول مادحاً :


جيدت بدانَي الاكنافِ ساَحتُها نائِي المدى وَاكِفِ الجَدَي سَرِبهْ

مُـــــــزْنٌ اذا مااستَطَارَ بارِقُهُ اعطى البِلادَ الأ مانَ مـــــن كَذْبِه (206)


اما بنان احد ممدوحيه ، فهو اصل للمزن الذي يسقى به :

ملك اذا استسقيت مُزن بنانه قتل الصدى وان استغثت اغاثا (207)


واذا كان الزمان قد قسى على الشاعر ، والسماء اغلقت ابواب مطرها ، فأن ممدوحه سيكون رؤوفا به كريماً معه وهو قمر السماء :

:

ان غاض ماء المزن فضت وان قست كبد الزمان علي كنت رؤوفا (208)


وعندما يطلب الشفاعة لاحد من ممدوحه ، فأنه يطالبه ان يكون كريماً معه :

واقرب اليه فأن احرى المزن ان يروي الثرى ماكان غير محلق (209)


وعندما يمدح اسماعيل بن شهاب ، فأنه يبدأ بالحديث الى البرق طالباً منه ان يغدق على الدمن التي بكتهاالاعين :-


ايها البرق بت بأعلى البرق واغد فيها بوابل غيداق

وتعلم بـــــــــــــأنه ما لأنوا ئك ان لم تروها من خلاق

دمن طالما التقت ادمع الـمز ن عليها وادمـــع العشاق (210)


*** ***


ب – ظواهر الريح والنسيم والبرق والرعد :


اولاً – الريح :

للريح تأثير سلبي وايجابي في حياة العربي ، وخاصة ابن البادية ، ولها اسماء وصفات ، فهناك ريح الصبا ، وريح الجنوب ، وغير ذلك ، الا ان للشاعر ابي تمام رأي اخر ، فهو عندما يفتخر بقومه ، يجعل السحاب يهطل مطراً غزيراً ، لان ريح الصبا قد (شفعت) الى الغيث بأن يأتي وينزل مطره على رياض اهله :


ربىً شفعت ريح الصبا لرياضها الى الغيث حتى جادها وهو هامع (211)

وما اروع ما يمدح به اهله وعشيرته ، فيقول :


رياح كريح العنبر المحض في الندى ولكنها يوم اللقاء زعـــازع (212)

والريح في قصائد اخرى هو ما يجعل نِعَم الممدوح للشاعر منتشرة في ارجاء الكون ، فيقول :

قل للامير لقد قلدتني نعماً فتّ الثناء بها ما هبت الريح (213)


اما عندما يرى راية الممدوح العائد منتصراً ، فأنه يشبهها بالعقاب الذي يقاتل الريح ، فيقول:

خِلت عقاباَ بيضاء في حجرات الــــ ـملك طارت منه وفي سُدده

فشاغب الجو وهو مســـــــــــــكنه وقاتل الريح وهي من مدده(214)


اما ممدوحه ، فأنه يسابق الريح في قتال عدوه ، وكأن الريح مقيدة ، ساكنة لا تتحرك :

رآه العـلــج مقتـحماً عـلـــيهِ كما اقتحمَ الفناء على الخلود

فمر ولو يجاري الريح خيلت لديهِ الريح ترسفُ في القيودِ (215)


اما ريح الجنوب فأنها تدفع بالسحاب ليغيث الارض ، فيما تجنبت ريح الدبور الهبوب رهبة من هذا السحاب ، اما ريح الشمال فقد تركته ، لأنها لو هبت لفرقت هذا السحاب (( والعرب تسمي الشمال محوة لأنها تمحو السحاب )) (216) :


قد جلبته الجنوب والدين والدنـ ـيا وصافي الحياة في حَلبــــهِ

(207)


واذا كان الزمان قد قسى على الشاعر ، والسماء اغلقت ابواب مطرها ، فأن ممدوحه سيكون رؤوفا به كريماً معه وهو قمر السماء :

وحرّشته القـــــــبول واجتـنبت ريح الدبور الهبوب من رَهبهِ

وتاركت وجهه الشمال فـــــقل لا في نُزور الندى ولا حــــقَبهِ (217)


فريح الشمال هي التي تأتي بالمطر ، فوصفها بالموت ، أي انك ايها ( الممدوح ) (( تسيّل الدماء كما تسيل الجنوب المطر )) : (218)

طاعناً منحر الشمال متيحاً لبلاد العدو موتاً جنوباً (219)


ان وجد الفراق وقلقه ، يجعل من ارواح المحبين تهب عليها ريحاً لا هي بالساكنة ولا هي باللينة ، انها ريح صعبة :


صرف النوى ليس بالمكيثِ ينبت ما ليس بالنبيثِ

هبت لأرْواحنا ريـــــــــــاح غير سواهٍ ولا ديوثِ (220)


ويخاطب الشاعر ( المالكيين ) من بني تغلب اعداء ممدوحه، قائلاً :

فلا تكفرن الصامِتي مــحمداً أيادي شفّعاً سيبها مــــــــتدارك

اهبَّ لكم ريح الصفاء جنائباً رخاءً وكانت وهي نكب سواهك (221)


وما زالت ريح الجنوب ممدوحة ، لأنها تحوّم باللواء – أي تجعله مرفرفاً – كما ان الشاهين لا يستطيع الصيد ما لم يحوّم برهة من الزمن حتى يرى طريدته ، حتى فتح الله فتحا :


فتح الله في اللواءِ لك الـــــخا مق يوم الافشين فتحاً عـظيماً

حومته ريح الجنوب ولن يحـ ـمد صيد الشاهين حتى يحوما (222)


واذا كانت الرياح الطبيعية على انواع ، فأن هنالك رياحاً اخرى لها علاقة بشعور الانسان واحاسيسه :

وتلويح اجسام تصدع تحتها قلوبٌ رياح الشوق فيها سمائم (223)


اما ريح الرجاء ، فهي التي جاءت من طرف ممدوحه ، فقال :


اهببت لي ريح الرجاء فأقدمت هممي بها حتى استبحن همومي

ايقظت للكــــــرمِ الكرام بناطقِ بنداك اظهر كنز كـــــــــــل قديم (224)


وريح الصدود قد رآها في عيني التي يتعزل بها :


بأبي شادن تنسمت من عيـ نية يوم الخميس ريح الصدود (225)


اما في الغزل ، فأن الريح تذكره بالحبيب الغائب :


ولو مرت الريح الصبا عند اذنه بذكرى لسبَّ الريح او لتعتبا (226)


اما في الهجاء ، فيقول :


خلق الله لحية لك لـــــــــــوتحـ ـلق لم يدر ما غلاء المسوح

واذا كان الزمان قد قسى على الشاعر ، والسماء اغلقت ابواب مطرها ، فأن ممدوحه سيكون رؤوفا به كريماً معه وهو قمر السماء :

وذراها في الريح ان كنت ترجو سير شعرى في نعتها بالريح (227)


اما الريح التي جاءت بالغيث ، فأنها راحت تصّوت بصوت يشبه حنين النيب :

فقام فيها الرعد كالخطيبِ وحنّت الريح حنينَ النيبِ (228)

وفي الفخر ، فان الريح سوف تنثني ، وتظلع لانها لاتستطيع ان تحمل ما يفخر به ، لانه كالجبل الشامخ :

ترقت مناه طود عـــــــز لو ارتقت به الريح فتراً لأنثنت وهي ظالع

انا ابن الذين استرضع الجود فيهمُ وسمي فيهم وهو كهل ويـــافع (229)


ان كرم ممدوحه ، قد حل كل مطلب صعب ، فأصبحت كل المطالب سهلة المنال ، اذ حل عقالها كما تحل ريح الجنوب عقد المزنة :


كم حاجة صارت ركوباً به ولم تكن من قبله بالركـــوبِ

حل عقاليها كـــــما اطلقت من عقُد المُزنةِ ريح الجنوبِ (230)


للايام ريح ، تلعب بأوراق اغصان الشاعر ، فها هو يخاطب ممدوحه ، قائلاً :


لولا ابن حسان مات الجود وانتشرت مناجس البخل تطوي كل احسانِ

لما تواترت الا يام تعبث بــــــــــــــي واسقطت ريحها اوراق اغصاني

وصلت كف منىً مني بكف غـــــــنىً فارقت بينهما هــــــمي واحزاني (231)


*** ***


ثانياً – النسيم :

والنسيم من : (( نسم ، النسم والنسمة نفس الروح وما بها نسمة أي نفس ، يقال ما بها ذو نسم أي ذو روح والجمع نسم ، و النسيم ابتداء كل ريح قبل أن تقوى ، عن أبي حنيفة وتنسم تنفس يمانية والنسم والنسيم نفس الريح إذا كان ضعيفا وقيل النسيم من الرياح التي يجيء منها نفس ضعيف والجمع منها أنسام )) 0 (232)

وللهجاء عند أبي تمام نسيماً خاصاً ، فيقول :


امن نسيم الهجاء انغَلَّ حدّكم فكيف لو قد علت تلك العاصير (233)


اما شمائل ممدوحه ، فأن نسيمها يحرك الروح اللطيف :


ضربت به افــق الثناء ضرائبٌ كالمسك يفتق بالندى ويطيب

يستنبط الروح اللطيف نسيمها ارجاً وتؤكل بالضمير وتشرب (234)


*** ***


ثالثاً – البرق والرعد :

ذكر الشعراء البرق والبروق والابراق عند حديثهم عن السحابة والغيث والمطر ، ان ابا تمام كان له حديث آخر مع البرق ، وهذا ما سنتطرق له 0

يستخدم الشاعر ( ابارق ) متساءلاً عن غرة ممدوحه ، فيقول :

ورأيت غرته صبيحة نكبة جلل فقلت :

واذا كان الزمان قد قسى على الشاعر ، والسماء اغلقت ابواب مطرها ، فأن ممدوحه سيكون رؤوفا به كريماً معه وهو قمر السماء :

ابارق ام كوكب ؟ (235)


اما ممدوحه ، فأنه :

له كرم لو كان في الماء لم يغض وفي البرق ماشام أمرؤ برق خُلب (236)


ويأتي البرق كناية عن الوعد الصادق لممدوح ، فيقول :

وبرقت لي برقَ اليقين وطالما امسيت مرتقباً لبرق الخُلب (237)


وممدوح آخر لايعِده بشيء ، الا ان مواهبه تأتي دون وعد ، فيقول :

يرى الوعد اخزى العار ان هو لم تكن مواهبه تأتي مقدمة الوعد

فلو كان ما يعطيه غيثاً لا مـطرت سحائبه من غير برق ولا رعد (238)


اما ممدوحه الأخر ، فهو البرق البديل عن برد الثغور :

بَدّلتَ من برقِ الثغورِ وبَردها برقاً اذا ظعنَ الاحبةِ اومضا (239)

ويفاضل الشاعر بين برق السيوف والبرق ، فيجد ان برق السيوف امضى من البرق الطبيعي :

اغشيْتَ بارقةَ الاغمادِ أرؤسهُمْ ضرباً طِلَخْفاً يُنَسيَّ الجانِفَ الجَنَفَا

برقٌ اذا برقُ غيثٍ بات مُختَطِفاً للطرفِ اصــــبَحَ للا عناقِ مُختطِفا (240)


اما في مديحه للحسن بن وهب ، فأنه يطلب من البرق ان يحدي بالسحاب برعده الى موضع ( الابرق ) ، كما تحدى النوق ، وهكذا يبدأ قصيدته بهذا البيت :

يابرق طالع منزلاً بالابرق واحدُ السحاب له حداء الاينق (241)


وكذلك عندما يمدح اسماعيل بن شهاب ، يبدأ قصيدته بهذا البيت الذي يخاطب به البرق قائلاً :


ايها البرق بت بأعلى البراق ِ واغدُ فيها بوابلٍ غيداق ِ (242)


اما الشعر الذي يكتبه في ممدوحه ، فهو :

احفظ وسائلَ شعرٍ فيك ماذهبتْ خواطف البرق الا دون ماذهبا (243)


واذا كان الغيث يأتي به البرق والرعد ، اذانهما من علا ماته فأن مكارم ممدوحه تأتي من وعد كلامه :


اذا وعدَ انهلّت يداه فاهدتا لك النُّجح محمولاً على كامل الوعد

لوحان تفتر المكارم عنهما كما الغيث مفتر من البرق والــرعد (244)

واذا كان البرق لاتأخذه الحمية والشيمة في ان يأيي بالمطر ، فأن ممدوحه سيأتي بالخير ، أي بالمواهب ، وهي كناية عن كرم الممدوح وجوده :

نال الجزيرة إمحال فقلت لهم شيموا نداه اذا ما البرق لم يشم واذا كان الزمان قد قسى على الشاعر ، والسماء اغلقت ابواب مطرها ، فأن ممدوحه سيكون رؤوفا به كريماً معه وهو قمر السماء :

(245)


اما قوم مالك بن طوق التغلبي ، الذين اساؤا له ، كانت عقوبتهم عفو ممدوحه عنهم ، فكانت البروق صاعقة تعذبهم ، اما عفوه فسوط العذاب :


هم صيروا تلك البروق صواعقاً فيهم وذاك العفو سوط عذاب (246)

و بكاء الشاعر على فراق ممدوحه ، فقد جاء في وقت كثر فيه البرق والرعد ، فتجاوب مافي داخل النفس بما هو خارجها :

آه لوقــــع الـبين يــابـن مـحمـد بين المحب على المحب شديد

ابكي وقد سمتِ البروق مضيئة مـــن كل اقطار السماء رعود (247)


ان تخوف ممدوحه على جنده من برد الشتاء وثلوجه وبروقه ، كان اكثر من خوفه عليهم من وقع السيوق :

لا تبالي بوارق البيض والسمـ ـر ولكن باليت لمع البروق (248)


اما الدمع الذي جرى بسبب البُعد ، فقد جعل كل البروق خلب ، والانهر جافة :


اخلبتْ بعده بروق من اللهـ ـو وجفت نهرٌ من التشبيب (249)


اما محط رحال الشاعر في ضيافة ممدوحه ، فهو كمن يحط تحت غمامة يحدو بها البرق فيهطل المطر منها مداراً :

فحططت تحت غمامةٍ مغمورة بحيا بروقٍ ضاحكاً ورعود (250)


ويخاطب ابن المغيث مادحاً ، وكان قد عذله ، وقال له : لقد كملت لو كانت مساعدتك لي بمكان تأنيبك اياي :


لطمحت في الابراق والارعاد وغدا علي بسيل لــــومك غاد

انت الفتى كل الفتى لوأن مـــا تسديه في التأنيب في الاسعاد (251)






































المبحث الثاني : ظواهر سماوية – ارضية :


1- ظاهرة الليل والنهار و اوقاتهما :

بسم الله الرحمن الرحيم

(( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لتَبْتَغُوا فَضْلّا مِنْ رَبَّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السَّنِينَ وَ الْحسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا 0 ))

وهو قمر السماء :

صدق الله العظيم

( الاسراء /12 )

أ- الليل :

وردت لفظة ( الليل ) في قصائد الشاعر أبي تمام بنسبة اعلى مما وردت فيها لفظة ( النهار ) وقد جاءت هذه اللفظة بصيغ عدة ، من مثل : ليل ، الليل ، ليلة ، ليالي ، الليالي ، وفي بعض الاحيان تأتي هذه الصيغ مضافة لاحد ضمائر المخاطبين ، ففي قصيدته التي يمدح فيها عمر بن طوق ، يتذكر ليلته مع محبوبته ، فيقول :


لله ليلتنا وكانت لـــــــــــيلة ذخرت لنا بين اللوى فالعُليب

قالت وقد اعلقت كفي كفها حلآ وما كــــل الحلال بطيب (1)

وعندما يمدح المعتصم ، فأنه يمدح الشتاء ومطره :

كم ليلة آسى الـــــــبلاد بنفسه فـــــــــيها ويوم وبله مثعنجر

مطر يذوب الصحو منه وبعده صحو يكاد من الغضارة يمطر (2)

وعندما يتغزل ، فأن الليل للعشيقين ستراً وخلوة ، وقد اتخذ الحبيب من خد حبيبته مخدة :

لاشيء احسن منه ليلة وصلنا وقد اتخذت مخدة من خده (3)


ويتذكر مرة اخرى ما تركته بقلبه ( ليلة الصراة ) ( وهو نهر في الجانب الغربي من مدينة بغداد في زمن العباسيين ) التي كان وقتها مع محبوبته التي يتغزل بها ، فيقول :


تركت ليلة الصراة بقلبي جمر شوق احرق كل جمر (4)


وهو يخاطب من يتغزل بها ، يخبرها انه كان مسهدا ، ولو شغل سهاده برؤية النجوم لأدرك ليلة القدر :


لوكنت ارعى النجوم تقوى لقد ابصر طرفي ليلة القدر (5)


ويشكر الليلة التي انهزم بها ( الجلودي ) ، قائلا في هجائه له :


فأشكر ايادي ليلة سمحت لك بالبقاء وركبها ركبا (6)

وفي وصفه للمطر ، يصف ليلة كانت ممطرة ، مظلمة ، فيقول :


اما ترَىَ ما اصـــــــــدقَ الانواءَ قـــد افنَت الحجرة واللأواءَ

فلو عَصَرتَ الصخرَ صارَ مـــاءَ من ليلة من ويلهــا لـــيلاءَ

ام هي عـــــادت ليـــــــلة عداءا اصبحت الارضٌ اذن سماء(7)


< وهو قمر السماء :

ويفتخر بنفسه ، فيقول :


ماكنت كالسائل الايام مختبطاً عن ليلة القدر في شعبان او رجب (8)

ولليل عنقائه ، فها هو يمدح الحسن بن وهب ، فيقول :


حمدُ حبيت َ واجر حلّقت من دونه عنقاء ليل مغرب (9)


ولليالي بدور ، فيمدح موسى بن ابراهيم قائلاً :


بدور ليل التمام حسنا عين حقوف ظباء ميث (10)


وفي احدى مراثيه يصف المرثية ، بانها :


نقية الجيب لا ليل بمدخلها في باب عيب ولا صبح بفاضحها (11)


اما عندما يمدح محمد بن يوسف الطائي ، فأن الليالي هي :


افادتكَ فيها المُـــرهــــفاتُ مآثراً تُعَـمّــرُ عُمْــرَ الدهـــــــــــر انْ لــَمْ تـخلد

وليلـــةَ ابــلـيتَ البَيــَاتَ بـــلا ءَه منَ الصّبر فــــــي وَقْت من الصبر مجحد

فيـا دولــة لا تجــحــديه وقـــاره ويا سيف لا تكفرْ ويا ظُلمــــة اشــــهـدي

ويا لـيـلُ لــو أنّي مكـانك بَعــدها لما بَــــــاتَ فـــــي الدنّـــيا بنــوم مسهــد (12)


ومن افعال الممدوح ، وهو في اذربيجان ، انه قد غير ما كان من صفات الليل والنهار في تلك البلدة :


جلوت الدجى عن اذربيجان بعدما تردت بلون كالـــــغمامة اربــــــــــــد

وكانت وليس الصباح فيها بابيض فأمست وليس الليل فيهــــــــــا بأسود (13)


ثم يخاطبه واصفا ليلة ظلماء :


اليك هتكنا جــنح لــــيلٍ كـــــانــهُ قد اكتحلت منهُ البلاد بأثمدِ

تقلقل بي ادم المهاري وشومهـــا على كل نشز متلئبٍ وفدفدِ (14)


وعندما يمدح المعتصم ، يجعل منه سراج ليل رعيته :


هو نوء يــمن فيهــــم وسعـــــادة وسراج ليلٍ فيهم ونهار (15)


اما في بائيته المشهورة ، فأنه يخاطب المعتصم ، قائلاً له انه قد ترك اعدائه في ليل بهيم :


غادرت فيها بهيم الليل وهو ضحى يشله وسطها صبح من اللهب (16)


ويصف ممدوحه بـ ( حية الليل ) والذي حزمهُ ورأيه كالشمس :


حية الليل يشمس الحزم فيه ان ارادت شمس النهار الغروبا < وهو قمر السماء :

(17)


اما السير في الليل فهو غير سليم :


اعاذلنا ما اخشن الليل مركبا واخشن منه في الملمات راكبه (18)


لهذا يقول :


فقد بث عبد الله خوف انتقامه على الليل حتى ما تدب عقاربه (19)


والليل هذا هو العليم بما يظهر من كواكب ، الا ان كوكب الممدوح اكبر واعظم منها :


كواكب مجد يعلم الليل انها اذا نجمت باءت بصغر كواكبه (20)


وعندما يمدح المعتصم ، فأنه يستخدم لفظة الليل بمعناها العام ، فيقول :


فلرب نار منكم قد انتجت في الليل من قبس من الاقباس (21)


وفي مديحه لدينار بن عبد الله ، يؤكد على ان النهار كاشف لليل ، كما يكشف الممدوح عن هموم مادحه:

ولا كشف الليل النهار وقد بدا كما كشف تلك الشؤون الغوامض (22)

وفي قصيدة مدح اخرى ، يؤكد على المعنى نفسه ، بصورة جميلة ، فيقول :


قد شرد الصبح هذا الليل عن افقه وسوغ الدهر ما قد كان من شرقه (23)


ورواحل الشاعر المتجهة به الى ممدوحه ، تجد في النهار :


اذا خلع الليل النهار رأيتها بأرقالها من كل وجه تقابله (24)


والليل في قصيدة اخرى هو وقت قنص الظبي ، وقد كنى بالظبي عن الفكر :


زار الخيال لها لا بل ازاركه فكر اذا نام فكر الخالق لـم ينم

ظبي تقنصته لما نصبت لـه في اخر الليل اشراكاً من الحلم (25)

وان مقاتلة ممدوحه للمشركين ، قد ذكرته في دجى الليل بزمزم والحطيم :

حطم الشرك حطمة ذكرته في دجى الليل زمزماًَ والحطيما (26)

ويشبه فوارس ممدوحه محمد بن يوسف ، بالانجم في الليل :


وساعده تحت البيات فوارس تخالهم في فحمة الليل انجما

وقد نثرتهم روعة ثم احدقوا به مثلما القت عــــقداً منظما (27)


ويصف موت مرثيه محمد بن حميد ، الذي ارتدى ثياب الموت لكثرة ما اصطبغت بدم اعدائه ، وعندما قتل ارتدى ثياب الشهادة التي تتراءى في الليل كـ ( سندس خضر ) وهو وصف مآخوذ من القرآن الكريم ، قال تعالى ( ويلبسون ثياب سندس خضر واستبرق ) ( الكهف : 18- 31 ) :


< وهو قمر السماء :

تردى ثياب الموت حمرا فما اتى لها الليل الا وهي من سندس خضر (28)


اما في رثائه لادريس بمن بدر الشامي ، فأن العيون البواكي على فقده ، لم تنم الليل :


عيون حفظن الليــل فيك مـجرما واعطينه الدمع الذي كان يمنع (29)

وفي غزلياته ، يسأل من يتغزل بها ان تسأل الليل عن حاله :


سل الليل عني هـل اذوق رقـاده وهل لضلوعي مستقر على فرشي (30)

ان السهر في ليالي الحب والهيام هو دواء من ( حبل وصله مصرومة ) :


انما يعرف السهاد وطول الليـ ـل من حبل وصله مصرومة (31)

اما ليالي الوصل فهي قصيرة :


كواعب زارت في ليال قصيرة يخيلن لي من حسنهن كواعبا (32)

اما الليالي الباردة ، فأنها تبقي برودتها في وهج الشمس :


في ليل تكاد تبقي بخد الشمـ ـس من ريحها البليل شحوبا (33)


ويجعل الشاعر لليالي عيوناً تحدق بمرثيه :


ليال اذا انحت عليك عيونها ارتك اعتبارا في عيون الاراقم (34)


وفي بائيته المشهورة ، يتحدث عن عمورية التي شابت نواصي الليالي ، وهي مازالت شابة :


من عهد اسكندر او قبل ذلك قد شابت نواصي الليالي وهي لم تشب (35)


وفي المعنى نفسه ،يقول في قصيدة مدح :


ويزيدها مر الليالي جدة وتقادم الايام حسن شباب (36 )


وتغير الليالي ، ومرور الايام ، تظهر من اخلاق الممدوح ما هو اسمى واعظم :


كل يوم تبدي صروف الليالي خلقا من ابي سعيد رغيبا (37)


ولفظ الليالي في المثال السابق والذي سيرد ، له معنى تقادم الزمن، فيقول في قصيدة اخرى :

أقر عمودالدين في مستقره فقد نهلت منه الليالي وعلت (38)

ومن جميل كناياته ، ( غافلة الليالي ) أي ناعمة البال :

أتراب غافلة الليالي ألفت عقد الهوى في بارق وعقود (39)


واذا كانت الليالي ساخطة على ممدوحه ، فأن اصحابه فداء له من هذا السخط :


نحن الفداء من الردى لخلفية برضاه من سخط الليالي نفتدي (40)


لان الليالي قد تغيرالعهد بها ، الا انه قد اعادها الى عهدها السابق :


رأيت الليالي قد تغير عهدها فلما تراءى لي رجعن الى العهد (41)


ولليالي عند ابي تمام سماً ، فيقول :


سقته ذعافا عادة الدهر فيهم وسم الليالي فوق سم الاساور (42)


اما قصائده فلا تذهب بها الليالي :


جلاميد تخطوها الليالي وان بدت لها موضحات في رؤوس الجلامد (43)


واذا كان قلبه مصدوعا من فراق ممدوحه ، فأن هذا الممدوح قد فتح له فرجة في ليالي الفراق :

فأذا فضضت من الليالي فرجة خالفنها فسددنها ببعاد (44)


وكثيرا ما يستخدم الشاعر الليالي كفترة زمنية ، فيقول :


تنسى الرياض وما يروض فعله ابدا على طول الليالي يذكر (45)


وكذلك:


فليعسرن على الليالي بعده ان يبتلى بصروفهن المعسر (46)


او قوله :


والفتى من تعرقته اليالي والفيافي كالحية النضناض (47)

وقوله :


كل يوم له بصرف الليالي فتكة مثل فتكة البراض (48)


وليالي الشاعر على نوعين ، ليالي خصب وسرور وامن ، وليالي خوف وجدب ، الا ان ليالي ممدوحه قد اجتمعت فيها هذه الليالي واصبحت كلها ليالي خصب وسرور وامن :


وان عثرت سود الليالي وبيضها بوحدته الفيتها وهي مجمع (49)


اما اذا كانت لليالي نُوَب ، فأن ممدوحه هو قريعها :

عميد الغوث ان نوب الليالي سطت وقريعها عند القراع (50)


ويذكر المالكين من بني تغلب ، بما سيفعله بهم ممدوحه محمد بن يوسف الثغري ، وهم اعداء له ، الا ان تقاه منعه عن ذلك ، أي لاصبحت لياليهم ( نجسه ) عليهم :


اذاً للبستم عار الدهر كأنما لياليه من يبن الليالي عوارك (51)


واذا كانت الليالي ساخطة على ممدوحه ، فأن اصحابه فداء له من هذا السخط :



ومن المتعارف عليه ، ان الشعراء يستخدمون الليالي كناية عن الظلم والقهر لسوادها وحلكة ظلمتها ، لهذا فأنه يخاطب ممدوحه ، ان صنائعه وكرمه قد حمته من ظلم الليالي :


وان جزيلات الصنائع لامريء اذا ما الليالي ناكرته معاقل (52)


لهذا ، فأن الشاعر بعد أن رجح غمه على سروره ، صالحته الليالي :

وصالحتني الليالي بعد ما رجحت على سروري غمومي أي رجحان (53)


ويمثل الشاعر نفسه بطريد الليالي ، فكانت صنائع المرثي مع الشاعر خضلة :


وأخضلتها فيه كما لو اتيته طريد الليالي اخضلتني نوافله (54)


اما المحبين ، فالليالي عندهم ستر عن اعين العذال :

الليالي احفى بقلبي اذا ما جرحته النوى من الايام (55)


ولكنها في احيان كثيرة ، هي سبب الفرقة ، دون ان تتفرق هي :


حكمت لانفسها الليالي انها ابداً تفرقنا ولا تتفرق (56)

ويفتخر الشاعر بقومه ، فيجد ان الليالي اذا حاولت نكبة اهله لم تستطع ، فيتمزقن هن ، اما اهله فأن الصبر درعهم :


اذا شرعت فيه الليالي بنكبة تمزقن عنه وهو في الصبر دارع (57)

وفي المعنى نفسه ، يقول في قصيدة ثانية :


فهذي الليالي مؤذياتك بالبلى تروح وايام بذلك تبكر (58)


الا ان الليالي قد شابت شعر رأس شاعرنا :


ارى الفاتٍ قد كتبنَ على رأسي بأقلامِ شَيب في مهارق انفاس

فأن تسأليني من يخُطُّ حُرَوفَها فكفّ الليالي تَستَمدُّ بأنفاسي (59)


ومن صفات الليل ،أنه داج 0 وكذلك من اسمائه الدجى ، وقد وردت هذه اللفظة في شعره اكثر من مرة ، دون ان تكون وصفاً لليل ، وانما هي صفة للاشياء ، ففي احدى قصائده جعلها صفة للخطوب التي يزيلها كرم ممدوحه :


بجودك تبيض الخطوب اذا دجت وترجع عن الوانها الحجج الشهب (60)

وكذلك صفة للحادث الذي كان الصبح فيه مغرباً :


متعت كما متع الضحى في حادث داج كأن الصبح فيه مغرب (61)


وفي بائيته المشهورة ، وهو يصف ساحة المعركة ، يجعل من الدجى وكأنها راغبة عن لون ظلمتها ، فيقول :


حتى كأن جلا بيب الدجى رغبت عن لونها وكأن الشمس لم تغب (62)


واذا كانت الليالي ساخطة على ممدوحه ، فأن اصحابه فداء له من هذا السخط :



وفي قصيدة اخرى يطالب ممدوحه ان يستمع لها في الليل ، لانها ابنة الفكر ، وهي بكر 0و الدجى جاء في القصيدة صفة لليل ، وهما يليقان بالفكر والبكر على السواء :


خذها ابنة الفكر المهذب في الدجى واللــــــيل اسود رقعة الجلبابِ

بـــكر تـورث في الحيـــاة وتــنثني في السلم وهي كثيرة الاسلابِ (63)


اما من يسأل عن ممدوحه في غلس الدجى ، فأنه يوصله اليه :


قد قلت في غلس الدجى لعصابة طلبت ابا حفص ، مناخ الاركبِ (64)

وفعل ممدوحه يجعل ( بدر الدجى ) مظلماً :


لوان فعلك امسى صورة لثوى بدر الدجى مظلما في حسنها سمجا (65)


ومن اطرف تشبيهاته ، انه جعل من الدجى جملاً :


جعل الدجى جملا وودع راضيا بالهون يتخذ القعود قعودا (66)


اما ممدوحه محمد بن يوسف الطائي ، فقد ازاج الظلام من اذربيجان :

جلوت الدجى من اذربيجان بعد ما تردت بلون كالغَمامةِ اربد (67)


والدجى في البيت الاتي ، يعطي معنى الظلام ، والظلم ، فيخاطب الشاعر ممدوحه قائلاً :


ولمـا امـاتت انـجم الـعرب الـدجى سرت وهي اتباع لكوكبك السعد (68)


ونجم الدجى ، هو النجم المضيء ، الذي يشّبه ممدوحه به :


يـسري اذا سـرت الـهموم كـأنـه نجم الدجى ويغير حيث يغار (69)

اما فرس ممدوحه ، فأن لون شعرها قسم منه اسود كالدجى ، والاخر بلون ابيض كالحرير :


مسود شطر مثل ما اسود الدجى مبيض شطر كأبيضاض المهرق (70)


وفي البيت الاتي ، يأتي الدجى بمعنى الظلام بالنسبة للعين :


وقد تألف العين الدجى وهو قيدها ويرجى شفاء السم والسم قاتل (71)

ويخاطب الشاعر الخليفة المأمون ، مادحاً اياه ، بأنه قد بيّت الرأي للبلاد التي راح يفتحها وهي ترزح في ظلمة الظلم والفكر :


اوريت زند عزائم تحت الدجى اسرجن فكرك والبلاد ظلام (72)


وممدوحه الاخر لا يهاب شيئا لانه لو كان يخاف الاعداء لارتدى ( جلباب الدجى ) أي لأنسل في الليل متلثماً :

بسافر حر الوجه لو رام سوءة لكان بجلباب الدجى متلثما (73)

ويكني الشاعر صفير الطائر المكاء ، وصوت الاسد والبوم ، بـ ( حرس الدجى ) ، أي اصوات الليل ، لهذا فأن ابل ممدوحه لا تفزعها تلك الاصوات :


صــفح عن النيـات لـيس يــئودهــا جرس الدجى ومكاؤها ونئيمها (74)


ويصف المعروف بأنه ( قمر الدجى ) ، فيقول :


أأ قنّع المعروف وهو كأنه قمر الدجى اني اذن للئيم (75)


اما ( جبين ) مرثيه ( حجوة بن محمد ) فقد ازاح الظلام :


وجبين هذا كالشهاب جلا الدجى عنه وهذا كالشهاب الموقد (76)


والبرق الذي ظهر في سماء ممطرة ، قد نوّر دجى تلك الليلة :


ياسهم للبرق الذي استطارا بات على رغم الدجى نهارا (77)


*** ***


ب – النهار :

وردت لفظة نهار بثلاث صيغ ، هي : نهار ، ونهارا ، والنهار ، وجاءت بنسبة قليلة ، الا ان الشاعر كثيرا ما كان يردفها بلفظة الليل ، لهذا فأن اختياراتنا في هذا الحقل قليلة جداً ، لان الابيات التي وردت فيها هذه اللفظة قد وردت ضمن حقل الليل 0

يخاطب الشاعر صاحبيه لينظرا الى جمال الطبيعة ، فيقول :


ياصاحبي تقصيا نظريــكـما تريا وجوه الارض كيف تصور

تريا نهاراً مشمسا قد شابه زهـر الـربا فكأنما هـو مقمر (78)


ويصف شعره بالنهار ، فيما شعر الاخرين بالليل :


ارى الـداليتيـن عـلـى جـفـاء لــديـك وكل واحــــدة نـضـــــار

اذا مـا شعـر قـوم كـان ليــلاً تبلجتا كــــــــما انشـق الـنــــهار

وان كانت قصـائدهم جـدوبـا تلـونتا كــــــــما ازدوج الـبـــهار(79)


وفي مراثيه ، يذكر طرفي النهار الذي رزيء به عبدالله بن طاهر بأبنيه :


ان تُرزَ في طرفي نهار واحد رزء ين هاجا لوعة وبلابـلا (80)


وعندما يهجو شخصا ، فأنه يقسم يوم مهجوه الى نهار وليل ، فيقول :


اما النـهار فـأنت فيـه كــاتب والليل اجمع انت فيه تاجر (81)


*** ***


( جلباب الدجى ) أي لأنسل في الليل متلثماً :

بسافر حر الوجه لو رام سوءة لكان بجلباب الدجى متلثما ج ـ الصبح :

والصبح هو اول النهار ، وقد ورد في قصائد شاعرنا اربع مرات 0 ففي بائيته المشهورة ، جمع الشاعر في البيت (26) ثلاثة اوقات من اليوم ، فقال :


غادرت فيها بهيم الليل وهو ضحى يشله وسطها صبح من اللهب (82)

أي تركتهم في ظلمة كظلمة الليل ، والوقت كان ضحى لكثرة ما فيهم من القتلى 0

ويصف زوج ممدوحه ، فيقول عنها راثيا :

نقية الجيب لا ليل بمدخلها في باب عيب ولا صبح بفاضحها (83)


ويجعل لمعروف ممدوحه صبحا ، فيقول :


يـارب يــوم تلـوح غرتــه ساطع صبح المعروف منصدعه (84)

اما ممدوحه الاخر ، فهو الصبح المؤمل :


نفسي فداء ابي علي انـــه صبح المؤمل كوكب المتأمل (85)


*** ***


د- الضحى :

ومرثيه قد لاقى الموت ضحى دون ان يطلب مساعدة او ملجأ :

قد كان يعلم اذ لاقى الحمام ضحى لا طالباً وزراً منه ولا وحجا (86)


وان نور شمس الضحى ، اكثر وهجاً وتألقاً ، وهكذا كان نسب ممدوحه :


نسب كأن عليه من شمس الضحى نوراً ومن فلق الصباح عمودا (87)


ويؤرخ الشاعر لعودة جيش ممدوحه منتصراً في ضحى يوم الخميس ، فيقول :

نعـم لـواء الخميس انت بـه يـــو م خميس عالي الضحى أفده (88)

وممدوحه قد اصّل شعر الشاعر فجعله معروفاً في وضح النهار :


وأصلت شعري فأعتلى رونق الضحى ولولاك لم يظهر زماناً من الغمد (89)


ورايات ممدوحه ، قد ظللتها العقبان في الضحى لأنتصاره على اعدائه :


وقد ظللت عقبان اعلامه ضحى بعقبان طير في الدماء نواهل (90)

ويصف الخليفة الواثق ، بأنه كشمس الضحى ، وبدر التمام :


انا رحلنا واثقين بواثق بالله شمس ضحى وبدر تمام (91)


اما اسنة ممدوحه فأنها تلمع في الضحى كالشمس وفي الظلام كالنجوم :


لمعت اسنته فهن مع الضحى شمس وهن مع الظلام نجوم (92)


اما المرتحلات عن ممدوحه فقد حجبتهن عن الابصار في الضحى ، الهوادج ، فيدعو الله ان لا يجعل ممدوحه يبكي :

اما وقد كتمتهن الخدود ضحى فأبعد الله دمعاً بعدها اكتتما (93)


وفي نور الضحى تلمع السيوف في اكف المقاتلين ، فكأنها الشهباء :

والبيض تلمــــع فـــي اكفهـــم رأد الضحى فتخالها شهباء (94)


اما عندما يموت مرثيه ، فأن الطبيعة تتبدل وتتغير :


فما جانب الدنيا بسهل ولا ضحى بطلق ولا ماء الحياة ببارد (95)


وفي الفخر ، يصف رياض اهله قائلاً :


فوجه الضحى غدواً لهنَّ مضاحك وجنب الندى ليلاً لهن مضاجعُ (96)


*** ***


2 – ظاهرة فصول السنة :


أ- الشتاء :

ولما كان أبو تمام ، قد قضى جل حياته متنقلاً ، مرتحلاً بين المدن والامصار ، فقد كانت فصول السنة شديدة الوقع عليه ، وخاصة فصل الشتاء في خراسان ، لهذا نراه يذم هذا الفصل في هذه البلدة ، ويتباكى على ذهاب فصل الصيف وبشاشته :


لـم يــبقَ للـصيـفِ لارســـمُ ولا طـــَلَلَ ولا قشــيب فَيُستَكْسَـى ولا سَــمَلُ

عدلٌ مِن الدمعِ أَنْ يبكي المَصِيف كما يُبكى الشَّبابُ وُيبكى اللهو والغَزَلُ

مـا للــشتاءِ ومـا لِلــصّيفِ مِـن مَـــثـَلٍ يَرضى بهِ السَّمْعُ إلا الُجودُ والبَخَلُ

من يَزعـمُ الصيفَ لم تـَذهَبْ بَشَاشَـتـُه فـغيرَ ذلكَ امـسى يـَـــــزعَـمُ الـجَبَلُ (97)


اما الشتاء فقد كان وجهه مكفهراً بالنسبة لاعداء ممدوحه ( ابو سعيد الثغري ) :


لـقد انصعت والـشتاء لـه وجـ ـه يراه الكماة وجهـاً قطوبـا

طـاعنا مـنحر الشمـال متيحــاً لـبلاد العـدو مـوتـا جــنوبـا (98)

ثم يقول :

فضـربت الشـتـاء فـي اخدعيـه ضربة غـادرته عوداً ركوبـا


واذا كان الشاعر قد مدح الصيف في احدى قصائده ، فهو هنا يمدح الشتاء ، عندما يمدح الخليفة المعتصم :


نزلت مقدمة المصـيف حمـيدة ويـد الـشتاء جـديـدة لا تكــفر

لـولا الذي غرس الشتاء بكفـه لاقى المصيف هشائماً لا تثمر (99)


اما في قصيدته التي يعتذر بها عن تأخره بالمجيء لممدوحه بسبب المطر ، فأنه يصف جهامة وجه الشتاء ، قائلاً :



انا رحلنا واثقين بواثق بالله شمس ضحى وبدر تمام (91)


اما اسنة ممدوحه فأنها تلمع في الضحى كالشمس وفي الظلام كالنجوم :


ان الشتاء على جهامة وجـهه لهو المفيد طـلاقة المصطاف

ورغم هذا ، أي رغم جهامة وجهه ، الا انه مفيد ، لانه يكتب الى ابناء عائلة كريمة ، فيكمل قصيدته قائلاً :


وكأنــــــما اثارهـا من مزنــة بالميث والوهدات والاخياف

اثارها ايدي آل مصعب التي بسطت بلا مَنّ ولا اخــــلاف(100)


وفي قصيدة اخرى يخاطب الشاعر نفسه : ان اخرج الى ممدوحك ( الحسن بن وهب ) مرتحلاً من الموصل الى سر من رأى ، على الرغم من فصل الشتاء :


فأنهضْ وانْ خِلتَ الشتاءَ مُصَمِّماً حَزْنَ الخليقةِ جامِحاً في المسحلِ

فلـــديك آلاتُ جــــــنودٌ كُــــــــلّها فأحْطِمْ بأصِلَبهنَّ صُلبَ الشَّـــمألِ(101)


ومن استعاراته ، مارثى به خالد بن يزيد الشيباني ، اذ يستعير من فصلي الصيف والشتاء بعض مظاهرهما ، لينسب للمنعي فعلهما :

نعـــــاء الـى كـل حي نـعـــــــاء فتى القـرب احتـل ربـع العنــاء


ثم يقول :


واذ هـو مطلـق كبـل المصيــف واذ هو مفتـاح قـير الشتــاء (102)


ويهتم العربي بضيف الشتاء ، لهذا يرثي الشاعر القاسم بن طوق مادحاً اياه بتضييفة للضيف شتاء :


فتى لم تكن تغلي الحقود بصدره وتغلي لاضياف الشتاء مراجله (103)


*** ***


ب – الربيع :

تعد فصول السنة من الظواهر الطبيعية التي تكونها دورة الارض حول الشمس ، وهي ظواهر ذات مواصفات تختلف من مكان على الكرة الارضية الى مكان آخر ، وتستدعي هذه الظواهر ، ظواهر اخرى ، كالحرارة والرطوبة والبرودة والمطر 000 الخ ، وكل هذه الظواهر قد وصفها الشعر العربي على امتداد عصوره الادبية 0 ولما كانت الارض العربية وعلى امتدادتها المترامية ما هي الا صحاري مليئة بالرمال بنسبة عالية جداً ، فضلاً عن جو ها الجاف ، فأن الحاجة الى المياه لادامه الحياة – للانسان والحيوان والنبات – تكون كبيرة جدا ، مما يجعل من فصلي الشتاء والربيع ، فصلين مهمين بالنسبة للعربي ، البدوي والحضري على السواء ، لان فصل الشتاء يأتي بالامطار ، وفصل الربيع يأتي بالعشب والكلأ ، ومن هذا المنطلق تغنى الشعر العربي بفصل الربيع وبمظاهره الكريمة على الانسان العربي ، وكذلك بمظاهر فصل الشتاء ، من سحاب وغيث ومطر 000 الخ ، فلا غرو ان ترد كلمة الربيع في ديوان ابي تمام (19) مرة لأهميتها ، فيما ترد كلمة الصيف مرتين في شعره ، وكلمة الشتاء ( 7 ) مرات ، وكلمة الخريف ( 3 ) مرات 0

ان اهمية هذا الفصل ولطافة جوه ، وعبق روائح الزهور فيه ، قد اسرت الشاعر قبل الانسان العادي ، فتغنى به وبما تجلى منه من ظواهر ، فراحت احاسيسه ووجدانه يسيحان في خيالات ذات امتدادات واسعة ، فأستغنى عند ذلك عن المقدمة الطللية في اغلب شعره ، ودخل الى مدح ممدوحه بواحدة من مظاهر هذا الفصل 0

في قصيدته التي مطلعها :


قــــدك اتئب اربيـت تأخره بالمجيء لممدوحه بسبب المطر ، فأنه يصف جهامة وجه الشتاء ، قائلاً :



انا رحلنا واثقين بواثق بالله شمس ضحى وبدر تمام (91)


اما اسنة ممدوحه فأنها تلمع في الضحى كالشمس وفي الظلام كالنجوم :


(104)


تلعب الطبيعة فعلها في معاني القصيدة 00 اذ تبدأ في البيت الثالث ، فيذكر الشاعر ( معرساً للغيث ) و ( دجنة وطفاء ) و ( الحدائق ) و ( الانواء ) و ( سماء ) وكلها من عناصر ومظاهر الطبيعة ، حتى اذا وصل الى البيت السادس الذي يقول فيه :


عني الـربيــع بــروضـه فـأنــــه اهـدى اليـه الوشي من صنـعاء


جعل من الربيع الفاعل بالعناية بالرياض التي ازدانت جمالاً ، فأصبحت الارض تحت هذه العناية كالوشي المصنوع في صنعاء 0

لم يكن هذا البيت زائدا عن القيصدة ، لأن الشاعر قد اكمل وصفه للطبيعة ، حتى اذا وصل الى الارض المعشوشبة التي عني بها الربيع ، وصف ممدوحه الذي اصبح ( معرسا للغيث ) أي ( محط رحال الرجال ) لكرمه الزائد 0

ان الربيع في هذه القصيدة ، جاء كـ ( فاعل ) ، لا عتنائه بالارض ، وجعلها بالصورة التي جاءت بها في القصيدة 0 وهكذا جعل الشاعر من مظاهر الطبيعة ، وخاصة فصل الربيع ، معادلاً فنياً لممدوحه ، فأخضرت الارض ، واصبحت مكاناً جميلاً يرتاده الصحب ، ليشربوا الخمرة العنبية الذهبية ، مما يجعل الشعراء يصوغون معاني شعرهم الجميلة لها 0 أي ان الشاعر ، في هذه القصيدة ، وفي غيرها ، قد ادخل وهويصف الطبيعة ، معاني جديدة غير المعاني التي تتولد من وصف الطبيعة ، ذلك لان ما فعلته عناصر الطبيعة ( الربيع ) ولد في مخيلة الشاعر معاني اخرى من غير مظاهر الطبيعة ، فراح يصف الخمرة ، لا لأنها ( الخمرة ) بحد ذاتها ، ولكن الصور الشعرية راحت تولد صورا ً اخرى ، فالربيع قد اوجد الجو النفسي الملائم لمجالس الشرب ، وهذه الخمرة ، هي :


عـنبيـــــة ذهبيـــة سكــبت لـهـــــا ذهب المعاني صـاغة الشعراء

اكل الزمــان بـطـول مكـث بقائـهــا ما كـان خامـرهــا من الاقــذاء

صعبت فراض الــمزج سيء خلقها فتعلمت من حسـن خلـق الماء

خـرقـاء يلعـب بـالــعقــول حبـابهــا كتلــعب الافعـــــال بالأسمــــاء (105)

الا ان الشاعر في قصيدة له مطلعها :


أي مــرعى عِيــن ووادي نــسيب لحبتـه الايام في مــلحـــوب (106)

(91)


اما اسنة ممدوحه فأنها تلمع في الضحى كالشمس وفي الظلام كالنجوم :


لا بيدأ قصيدته بالوقوف على الاطلال ، اذا ان هذا الوادي لا يمثل له طللاً ، وكذلك لكرهه لمثل هذا الوقوف ، كما يؤكد هو فيقول :

فعليه السلام لا اشرك الاطـ ـلال في لوعتي ولا في نحيبي


لان ( الربيع ) مازال كريماً مع الارض ، ومازال يطعم الماشية :


في اوان من الربيــع كـريـم وزمان من الـخريف حسيــــب


وفي اعتذارياته التي يجمع فيها المدح بالاعتذار ، يجعل من الربيع فاعلاً ، فيخاطب ممدوحه قائلاً :

كنت الربيـع امامــه ووراءه قمر القبائـل خالـــد بـن يزيـــد

فالغيث من زهر سحابة رأفة والركن من شيبان طـود حديـد (107)


فاذ يهرب الطريد (( حياء مما قرف به عندك من انه وقع في مضرة لا لمخالفة )) (108) فأنه يراك امامه ، فهو هنا الهارب منك اليك ، لان لامهرب من الربيع ، فينقلب المفعول به فاعلاً ، كما قال الشاعر النابغة الذبياتي للملك المنذر :


وانك كالليــل هـو مـدركــي وان خلت ان المنتأى عنك واسع (109)


بعد هذين البيتين ، يخلص الشاعر الى الموضوع الذي كتبت عنه القصيدة :


وغدا تبين ما براءة ساحتي لقــد نفضت تهـائمــي ونجــودي


وفي قصيدته التي يمدح بها الزيات ، فأنه يسأل ممدوحه عن شدة سلواه لامرأة الحي الذي اصبح دارساً ، فلا الربيع مر به ، ولا غفل عنه :


دوارس لم يحف الربيع ربوعها ولا مر في اغفالها وهو غافـــل

فقد سحبت فيها السحائب ذيلهـا وقد اخملت بالنور فيها الخمائل (110)


في هذا البيت يقدم لنا الشاعر واحدة من الصور ( القلقة ) غير المستقرة ، اذ لا الربيع جفى ربوعها وتركها هكذا دارسة ، ولا هو قد غفل عنها عندما كانت هي غافلة عنه ، اذ امطرت سحائب الربيع عليها فجعلتها خمائل كثيفة من النور ، (( أي جعل لها كالخمل ، وهي تشبه بالقطيف الذي هومخمل مما ينسج ، ويمكن ان يحمل قوله ، وقد اخملت على قولهم : خمل الرجل اذا اخفي ذكره 0 على ان النور قد سترها واخفاها بكثرته )) 0(111)

واذا كان ربيع هذه القصيدة قد جعل الارض كالخميلة ، فأن ربيع قصيدة اخرى ، لا يقوى على ان يكون بخضرته ، كخضرة ممدوحه ، فيجعل الشاعر بين ممدوحه والربيع – رغم ما يقدمه من خير وفير وعميم – مسافة اقتدار فيما يقدمه للاخرين ، لهذا ، فأن الشاعر يدعو بني جثم الى ان ( يشيّموا ) ندى ممدوحه ، بدلا من ان يشيموا البرق ، ذلك لأن الامحال قد اصاب الجزيرة ، والامحال هنا ، امحال الشاعر نفسه ، لهذا يجد عند ممدوحه ما يعطيه الربيع للارض والانسان والاشياء ، فهو ، أي ممدوحه :


بنانه خلـج تجـري وغيرتـــه ستر من الله ممدود عــلى الحــرمِ

نال الجزيرة امحال فقلت لهـم شيموا نداه اذا ما البرق لــم يشمِ

فما الربيع على انس البلاد به اشد خضرة عود منه في القحــــمِ

ولا ارى ديمة انـجى لمسغبـة منه على ان ذكراً طاب للديـــــــمِ(112)

الا انه في قصيدة اخرى يمدح فيها ( مالك بن طوق ) يشبهه بالمرهم الشافي لعيون حساده الذين طعنوا به ، ويرد لفظ الربيع كناية عن الممدوح الذي كان ضاراً لهم – حسب ظنهم – الا انه – في الوقت نفسه – هو الشافي لعيونهم مما فيها من مرض غيب عنهم الحقيقة :


ووجدتم فيعه الا ذى ورميتـم بعيونكم ابن الربيع المرهــــم (113)

وفي مقطوعة غزل صغيرة ، يتغزل الشاعر بمن يسميه ( بديع الجمال ) :

وبديع الجمال يضحك عن اضـ ـوائه البدر عند وقت الطلــوع


فيذكر ان زهر الربيع يجنى من وجنتيه :

غير ان العيون تجني بأيدي الـ ـلحظ من وجنتيه زهر الربيع (114)


ويعيد الشاعر صياغة البيت الاخير في مقطوعة ثانية من الوزن نفسه ( الخفيف ) فيقول :


وعزيز علي ان تجتني الا بـ ـصار زهر الربيع من وجنتيكا (115)


وفي الهجاء ، لا يرى الشاعر في ( نور الربيع ) جمالاً ، بل يرى تغيراً في الوان الطبيعة ، فيقول هاجياً ، وشاكياً تغير بعض الناس :

غاب والله احمد فــــــــــأصا بتني له فطرة مـــن الاخوان

وتخلفت بعده فـــــــــي اناس البسوني صبراًعـــلى الحدثان

ما لنور الربيع في غير حسن ما لهــم في تغيـــر الالــــوانِ (116)

اما في شعر المعاتبات ، فالربيع فيها شيء مرجو ومتأمل ، وبعيد المنال ، لان الذي يعاتبه قد قصر معه في عطاياه ، فقال :


قد كان اصغر همتي مستغرقاً عظم الربيع فصرت ارض الصيفا

هبت رياحك لي جنوبا سهوة حتى اذا اورقت عـــادت حرجفــا (117)


ويقول الصولي عن معنى هذا البيت (( كنت امل نبت الربيع ، فرضيت بالصيف 0 وهو نبت الصيف ، وهو دونه )) 0

وفي قصيدة يعاتب بها ( ابا القاسم ابن الحسن بن سهل ) مشبهاً يديه بشهر الربيع ، فيقول :


يـداك لنــا ربيــع كـلاهمــــا اذا جف اطراف النخيل من الازم (118)


وكان يرى في عهد الحسن بن وهب ، ربيعاً دائماً ، فيقول حه :


بنانه خلـج تجـري وغيرتـــه ستر من الله ممدود عــلى الحــرمِ

نال الجزيرة امحال فقلت لهـم شيموا نداه اذا ما البرق لــم يشمِ

فما الربيع على انس البلاد به اشد خضرة عود منه في القحــــمِ

ولا ارى ديمة انـجى لمسغبـة منه على ان ذكراً طاب للديـــــــمِ(112)

الا انه في قصيدة اخرى يمدح فيها (


ايامنــا في ظـلالـــه ابـــــدا فصل الربيـع ودهرنـا عــــرس (119)


*** ***

ج – الصيف :

ترد لفظة الصيف في واحدة من اجمل قصائد ابي تمام في المفاخرة بين الصيف والشتاء ، لتخبرنا ان ممدوحه قد خلع عليه خلعة ، فيقول :

قد كسانا من كسوة الصيف خرق مكتس مــن مكـارم ومســـارع

حــــــــــلــة سابريــــــــة ورادء كسحا القيض او رادء الشجاع (120)

ويبكي ابو تمام على الصيف ، لان الفصل الذي كتبت فيه هذه القصيدة هو فصل الشتاء في خراسان ، فيذمه قائلاً:

ما لـلشتاء وما للــــصيف من مثــــــل يرضى به السمع الا الجود والبخـلُ

اما ترى الارض غضبى والحصى قلق والــجو بالـــحرجف النكبــاء يقتـتـلُ

من يزعم الــصيف لم تذهب بشاشتــه فـغـير ذلـك امسى يــــــزعـم الجبــلُ (121)


*** ***


د – الخريف :

لم يأخذ فصل الخريف من الشاعر الا ابياتا قليلة بسبب ندرة هذا الفصل وامتزاجه بفصلي الصيف والشتاء في اغلب المناطق العربية ، لهذا نجده قد ورد في بيتين فقط من ديوان الشاعر 0 ففي احدى قصائده ، يجد الشاعر ان ايام الخريف طيبة ، فيقول :


في اوان مـن الربيــع كــريـــــــــم وزمــان مـن الــخريــف حـسيـب (122)


وفي قصيدة اخرى يقول فيها :


اذ فيه مثل المطفل الظمأى الحشا رعت الخريف وما القتول بمطفل (123)























المبحث الثالث : العناصر والظواهر الطبيعية الارضية


1- المياه الأرضية :


بسم الله الرحمن الرحيم

(( وجعلنـــــا من المــاء كــل شــيء حــــي ))

صدق الله العظيم

( الانبياء /30 )


آ - صور ذهنية للمياه :

للمياه اهمية كبيرة عند العربي ، ان كان يعيش أجواء الصحراء والفيافي ، أو كان يعيش في المون الكبيرة ، او القرى الزراعية الصغيرة 00 لان حاجته الى الماء تتعدى الحاجة الذاتية ، فالماء عصب حياته وحياة ماتحيط به من حيوات ، لهذا نرى الشاعر العربي قد اهتم كثيراً به ، فأمتلات قصائده بذكراه 0 وكانnt-size: 13pt">(112)

الا انه في قصيدة اخرى يمدح فيها ( ( الماء ) في شعره ، ومن ثم دارسين عناصر الطبيعة المائية الدائمية التي لاتتغير ولاتتبدل ولا تتحول من مكان الى اخر كظواهر او عناصر الطبيعة الاخرى ، وهي البحار والانهار ،

اما القسم الثاني ،فهو ظواهر الطبيعية المائية ،اي ما تتجلى به هذه الطبيعة في صورها المتغيرة المتبدلة والمتحولة ، كالمطر مثلاً 0


المــــاء :

تتبع النقد العربي صورة الماء في شعر ابي تمام ، فوجد ان الشاعر قد وظفه في صور شعرية عديدة ، كان هذا التوظيف فيه من الجرأة ، بحيث لامه بعض نقاده ، لانه خرج من مألوف ماكان قد تعارف عليه القوم 0 ومما تذكره كتب نقادنا القدامى ، قصة( ماء الملام) الذي ورد في قصيدته التي يمدح بها محمد بن حسان الضبي والتي يقول فيها :


لا تسقني ماء الملام فأنني صب قد أستعذبتُ ماء بكائي


فأرسل له أحد حساده ( قيل الشاعر البصري عبد الصمد بن المعذل ) وطلب منه ان يرسل له قليلاً من ( ماء الملام ) فما كان من الشاعر إلا أنه أجاب رسول أبن المعذل قائلاً : (( قل له أن يبعث بريشة من جناح الذل لأستخرج بها من القارورة ما أبعثه أليه ، حيث شبه الله سبحانه وتعالى راحم أبوية بالطائر الذي يخفض جناحيه لافراخه فيحضنها فأستعار له الجناح ، وهذا مأخوذ من قوله تعالـــى : " وأخفض لهما جناح الذل من الرحمة "000)) ( الاسراء /34 ) (1) 0

والشاعر ، وهو يوظف في صوره الشعرية ، الماء ، فأنه لايترك (( ماء الملام )) وحيداً في شعره ، بل راح يأتي بصور أخرى للماء ، فهنالك (( ماء الوصال )) الذي جاء في قصيدته التي يمح بها علي بن الجهم ، فيقول :


ان يكـد مطرف الاخــاء فـأننـا نغدو ونسرى في اخاء تالد

او يختلف ماء الوصال فماؤنا عذب تحدر من غمام واحد (2)


وكذلك (( ماء الحياة )) الذي جاء في قصيدته التي يمدح بما الواثق ويهنئه بالخلافة ، ويرثي المعتصم :

مـا للـدمـوع تـروم كـل مــرام والجفن ثاكل هجعة ومنام

ياحفرة المعصوم تربك مودع مــاء الحياة وقاتل الاعدام (3)


ويعود مرة اخرى لهذه الصورة في قصيدة يرثي بها خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني ، فيقول :

لــئن هي اهـدت للاقــارب تــرحـة لقد جللتْ تُرباً خدودَ الاباعدِ

فما جانب الدنيا بسهلٍ ولا الضحى بطلقِ ولامــاءُ الحياةِ ببـارد (4)


وتعود صورة (( ماء الحياة )) كرة آخرى مضافاً لها صورة آخرى من صور الماء هي

( ماء الحياء ) لان حاجته الى الماء تتعدى الحاجة الذاتية ، فالماء عصب حياته وحياة ماتحيط به من حيوات ، لهذا نرى الشاعر العربي قد اهتم كثيراً به ، فأمتلات قصائده بذكراه 0 وكانnt-size: 13pt">(112)

الا انه في قصيدة اخرى يمدح فيها ( فيقول في أحدى مراثيه :


الا ايـهــا المــوتُ فــجعتنـا بماء الحياةِ ومــاء الحيــاء (5)


ومن طريف صور الماء ، استخدام الشاعر لفعل السكب للحياة دون ذكر الماء 00 فتتحول الصورة من الصورة الشعرية الواقعية ، الى الصورة الشعرية الاستعارية ذات التأثيرالنفسي والشعوري العظيم ، وهذه الاستعارة جعلت من ناقديه مختلفين في فهم دلالات البيت الذي جاءت فيه :

نبهت نبهان بعد النوم وانسكبت بك الحياة على الاحياء من تعل (6)


واذا كانت للحياة هذا الماء ، فالدهر هو الاخر عند ابي تمام له ماءه الخاص به الذي يسكبه 00

ففي هجائه للجلودي حين انهزم، يطلب الشاعر في قصيدته من صحبه الوقوف – كما كان يفعل الشاعر الجاهلي – امام دار دارسة ، فيقول :

صحبي قفوا مليتكم صحبا قضوا بناس ربعها نــــحبا

دار كأن يد الزمن بانــــــــ ـواع البلى نشرت بها كتبا

اين الاولى كــانوا بعقوتها والدهر يسكب ماءه سكبا (7)


وكذلك عنده ( ماء القلب ) الذي جاء منسجماً مع ( ماء العين ) الدمع – في قصيدته التي يمدح بها السليل بن المسيب الكلابي :


جادتك عني عيون المزن والديم وزال عيشك موصولاً بـــه النعم

اصبحت لا صقباً مني ولا امما فالصبر لا صقب مـــــني ولا امم

ولّيت عني فــدمع العين مُنسجم يبكي التلاقي وماء القلب منسجم (8)


اما ( ماء وجه الشاعر ) فقد حقنه محمد بن يوسف ، كما حقن دمه :

رددت رونق وجهي في صحيفته ردّ الصقال بـهاء الصارم الخــــــذم

وما ابـالي وخيرُ القـول اصـدقــه حقنت لي ماءَ وجهي او حقنت دمي (9)

وتطول قائمة ماء ابي تمام وصوره المائية ، حتى نجد ان قاموسه يحتوي على الكثير منها ، فهناك ( ماء وجه البخيل ) – 3/533 – و (ماء الوجوه ) – 1/ 603 – و ( ماء وجهه) – 1 / 472 – و ( ماء الشوق ، و ماء من الحسن ) – 1 / 532 – و ( ماء المدامع وماء الوجد ) – 3 / 289 – و ( ماء وجه الفتى ) – 2 / 448 – و ( ماء الصبا ) – 2 / 215 – و ( مياه الضلال (112)

الا انه في قصيدة اخرى يمدح فيها ( ) – 3 / 36 – و ( ماء ثوب الصدق) – 3 / 137 0

وهذه الكمية الكثيرة من انواع المياه في شعر ابي تمام ، هل لها ما يبررها ؟ أي هل هناك دوافع دفعت الشاعر الى ( اختراع ) مثل هذه المياه ؟

يرى الباحث ، ان السبب يعود الى عمله ، وهو سقي الماء في مسجد الفسطاط ، وربما كان الشاعر وقتذاك ، يردد مثل هذه الالفاظ كي لا تبور بضاعته من الماء ، فظلت هذه الذخيرة من صور المياه مخزونة في وعيه – او لا وعيه – حتى تسربت الى شعره 0

لقد اوجد الشاعر مجموعة من العلاقات الاستعارية ، والتشبيهات المتنوعة التي تجمع بين الماء والاشياء 0

وليس هذا كل ما ورد عن الماء في شعر ابي تمام ، اذ جاء ( الماء ) كماء محض في الكثير من قصائده ، قال :


مالي ارى جلباً فعـماً ولـستُ ارى سوقاً ومالي ارى سُوقاً ولا جَلَبُ

ارضٌ بها عُشُبٌ جَرْفٌ وليس بها ماءٌ واخرى بها ماءٌ ولا عــُشُبُ (10)


وفي احدى قصائده ، يؤكد على حقيقة ان الماء العذب هو سريع الافناء ، اما الماء الآسن ، فيمتد به العمر للاسباب المعروفة ، وقد استخدم هذه الصورة المائية في رثاء ( بني حميد ) :

اليومَ ادرجَ زيدُ الخيلِ في كـفنٍ وانخلَّ معــقودُ دمعِ الأعــين الهـــُتًنِ

بني حميدٍ لــو انَّ الدهرَ مُــتّزِعٌ لصدّ من ذكركمْ عــــن جانبٍ خـــشنِ

ان ينتحل حَدَثانُ الـدهرِ انفُسكُم و يسلَمِ الناسُ بين الحَوضِ والعَـــطَنِ

فالــماءُ ليس عـجيباً انَّ أعذَبَـهُ يَفنى ويمتدًّ عمرُ الإجــــــنِ الأســــنِ(11)


*** ***


ب 0 عناصر الطبيعة المائية :


اولاً: النهر :

لم يصف ابو تمام نهراً ما ، الا انه استخدم لفظتي ( نهر والنهر ) في موضعين اواكثر من شعره لتعطيا له معادلاً فنياً عما يريد ان يقوله 0

ففي معرض المدح ، وفي قصيدة يمدح بها محمد بن يوسف بعد انتصاره على الروم ، يذكر ( نهر آليسُ) وهو نهر في اراضي الروم ، فيقول :


فأن يكُ نصرانياً النــــــــهرُ آلــيسٌ فقد وجدوا وادي عقرقس مسلما

به سبتوا في السبت بالبيض والقنا سباتاً ثووا منه الـى الحشر نوما (12)


وفي مكان آخر ، يذكره في مجال الفخر بقومه ، في قصيدة يستهلها بموقف وداع ، فيقول :


وما الدمع ثاني عزمتي ولو انها سقى خدها من كل عين لها نهر (13)

وترد في احدى قصائده لفظة () – 2 / 215 – و ( مياه الضلال (112)

الا انه في قصيدة اخرى يمدح فيها ( دجلة ) ، فيقول :


لو ان دجلة لم تحوج وانجدها ماء العراقيين لم تحدر لها القلب (14)


*** ***


ثانياً : البحر:

بسم الله الرحمن الرحيم

(( وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ))

صدق الله العظيم

( النحل /14 )


اذا كان النهر في شعر ابي تمام يجد له مساحة لا بأس بها ، فأن البحر هو الآخر ، ورد مرتين في شعره ، على الرغم من ان ابا تمام من بيئة بحرية ، وقد ارتحل اكثر من مرة ، ومر ببحار كثيرة ، فالشام تقع على البحر المتوسط ومصر تقع بين ضفتي بحرين كبيرين ، فضلاً عن وجود البحر الميت0 ويرى الباحث ان السبب في ذلك ، كون الشاعر لا يريد الوصف وانما يستخدم النهر والبحر كأداة تشبيه لممدوحيه او مرثييه ، لهذا قلّت المساحة الشعرية التي جاءا فيها 0

في قصيدة مدح ، حشد الشاعر الكثير من عناصر وظواهر الطبيعة فيها ، ومما شبه به مواهب ممدوحه ، البحر ، فقال :


اقول لاصحابي هو القاسم الذي به شرحَ الجودُ التباس المذاهبِ

وانـــي لأرجو عاجلاً ان تردني مواهبه بحـــــراً ترجّى مواهبي (15)


وليس غريباً ان يكون البحر هو المعادل الفني للجود والكرم الانساني ، في الشعر العربي فحسب ، بل كان ذلك سارياً على السنة الناس كافة 00 لهذا نرى الشاعر وهو يمدح محمد بن حسان الضبي ، الذي يجد في جوده وكرمه :


بحرٌ من الجود يرمي مــــوجهُ زبـــداً حــباً بــه فضة زينت بعــــقباني

لو لا ابن حسان مات الجود وانتشرت مناجس البخل تطوي كل احسانِ(16)

الا ان الشاعر عندما يمدح الافشين ، يجد فيه القوة والشجاعة والشكيمة ، فبحره هو :


بحراً من الهيجاء يهفو ماله الا الجماجم والضلوع سفين (17)


اما هجاء الشاعر ، فيأخذ من البحر معادلاً فنياً لما يريد ان يؤكده من خلة سيئة في المهجي ، وهي خلة ( الجهالة ) ، فيخاطبه قائلاً :


اشرعت في بحر الجهالة سادراً والجهل في بعض الهنات عقار (18)


وهكذا نرى تلون صورة البحر – رغم قلتها – في شعر ابي تمام ، فهو بحر الجود في الكرم ، وبحر الهيجاء في البطولة ، وبحر الجهالةSIZE=SPAN>) – 2 / 215 – و ( مياه الضلال (112)

الا انه في قصيدة اخرى يمدح فيها ( 0 ومن الصفة التي يتعارف عليها القوم بالنسبة للذي تخاطبه القصيدة ، فيقول مادحاً :


يمين محمد بحر خضم طموح الموج مجنون العباب (19)


واما ممدوحه خالد بن يزيد فهو :


وان توردت من بحر البحور ندىً ولم انل منه الا غرفة بيدي (20)


ولما كان ( اليم ) هو اسم آخر للبحر ، فقد استخدم الشاعر – في احدى الروايات عن شعره – هذه اللفظة في قصيدة مدح ، فقال :


هو اليم من أي النواحي اتيته فلجته المعروف والجود ساحله (21)


ويقول مادحاً :


بحرٌ يَطِمٌ على العفاةِ وان تَهج ريح السؤالِ بموجهِ يَغلولبِ (22)


*** ***


2 0 الرياض :


يتمثل الشاعر بما عرف عن نضارة الروض ، فيخاطب لائمته قائلاً:


وقلقل نأي من خراسان جأشها فقلت اطمئني انضَرُ الروض عازبه (23)


ويفتتح الشاعر مديحه لمحمد بن الهيثم ، بوصف ديمة مهطالة سمحة القياد ، مما جعل الروض يكشف رأسه ، والجدب والمحل يسر بها :


كشف الروض رأسه واستسر الـ محل منها كما استسر المريب (24)


وعندما يمدح المعتصم بالله ، يصف الطبيعة في اجمل وصف ، فيقول :


ما كانت الايام تسـلب بــــــــهجة لـــو ان حسن الروض كان يعمر

او لا ترى الاشياء ان هي غيرت سمجت وحسن الارض حين يغير

يا صاحبيّ تقصيا نظريـــــــــكما تريـــا وجوه الارض كيف تصور

تريا نهاراً مشمساً قد شابــــــــه زهــــــــــر الربا فكأنما هو مقمر(25)


وفي قصيدة اخرى ، يقيم مغازلة بين الغزالة – وهي كناية عن الشمس – والروض ، فتفترش الارض بالزرابي والدرانك وكل ذلك بسبب جود السماء بسحايه:

اذا غازل الروض الغزالة بشرت زرابي في اكنافهم ودرانكالا انه في قصيدة اخرى يمدح فيها ( (26)


وقد كانت حاضرة المعتصم معمورة كالروض الملتف والمتكاتف :


غدا الملك مغمور الحرا والمنازل منور وحفِ الروض عذب المناهل (27)

واذا كان الروض في المثال السابق قد غازل الشمس ، فأن الروض في هذا المثال قد اصبح نديماً للسحاب ، والمعنى معروف :


في غداة مهضوبة كان فيها ناضِرُ الروض للسحاب نديما (28)


ومن اوصافه الجميلة للسحابة وما تتركه من جمال على الارض ، قوله :


سحاباً اذا الفت على خلفه الصـــبا يداً قالت الدنيا أتى قاتل المحل

اذا ما ارتدى بالبرق لم يزل الندى له تبعاً يرتدي الروض بالــبقل (29)


وعندما يمدح عمر بن طوق ، يصف ايام العقيق والعيش في اطلالهن ، فيقول:


اصُل كبرد العصب نيط الى ضـحى عـــــين بريحان الريـــاض مطيب

وظلالـــهن المـشــرقات بـــــــخرد بيض الكواعب غامضات الاكعب (30)


وعندما ينظر الى الرياض ، فأنه يراها ممتلأة بالخصب ، والسحاب يهطل عليها بالمطر :


ورأى الرياض حواملاً ومطافلاً مذ كنت فيها والسحاب عشار (31)


اما ممدوحه المعتصم بالله ، فأن له رياضاً من الكرم والجود :

له رياضُ ندىً لم يكب زهرتها خلف ولم تتبخـر بينها العلل (32)


وعندما يهجو، فأنه يفتخر بنفسه التي لم ترتع برياض الباطل :


لا حفف الرحمن عني انني ارتعت ظني في رياض الباطل (33)


وان ممدوحه ابا دلف العجلي هو محط شعره الذي اقام في روض المعاني ، أي قد كنى الفكر بـ ( روض المعاني ) :


اليك ارحنا عازب الشعر بعدما تمهل في روض المعاني العجائب (34)


ومن تشبيهاته ، انه شبه ثنايا التي تغزل بها عند افتتاحه لقصيدة مديح عياش بن هليعة ، بالطلع ، والاقاح الذي في الروض :


وثناياك انها اغــــريـض ولآلٍ تُـــــــــــومٌ وبرق وميض

واقاح منور في بــــطاح هزه في الا انه في قصيدة اخرى يمدح فيها ( (35)


ويجعل الشاعر للاماني روضاً ترعى فيه همومه ، مما يجعل صاحب تلك الهموم هزيلاً :


من كان مرعى عزمه وهمومه روض الاماني لم يزل مهزولا(36)


اما عندما يرثي محمد بن الفضل ، فأن الرياض يجف اخضرارها :


فلهذا يجف بـــعد اخضرارٍ قبل روض الوهاد روض الروابي (37)


*** ***


3 0 الجبال :

بسم الله الرحمن الرحيم

(( خلقَ السماواتِ بغيرِ عَمَد ترونها والقى في الارضِ رَوَاسيَ ان تميدَ بكم وبثَّ فيها من كلِّ دابةٍ وانزلنا منْ السماءِ ماءً فانبتنا فيها من كلِّ زوج ٍ كريم ))


صدق الله العظيم

( لقمان / 10 )

والحديث عن الارض ، يدعو الباحث الى تفحص شعر ابي تمام عن الطبيعة ومعرفة ما استفاده من تضاريس الارض ، كالجبال والتلال مثلاً ، وهي مثابات واعلام ، وقد ذكرها الشاعر في اكثر من موضع في شعره 0 ففي قصيدة مديح ، شبه اجداد المعتصم بالجبل الراسي ، فقال :

القوم ظل الله اسكن دينه فيهم وهم جبل الملوك الراسي(38)


اما الشاعر نفسه فيفتخر بقومه ويقول :


نجوم طوالع جبال فوارع غيوث هوامع سيول دوافع (39)


ويقول منتقصاً من تميم :


يهد اركان الجبال هدا كان تميم لابينا عبدا (40)


اما عندما يسأل احدهم شفاعة ، فأنه يقول له انه يعده معقلاً له لا تشبهه الكهوف ولا الجبال :


ان اعدك معقلاً ما مثله كهف ولا جبل من الاجبال (41)


واذا كانت الامثلة السابقة ، قد شبه فيها الشاعر ممدوحه بالجبال مرة ، واخرى جعل من ممدوحه معقلاً كالجبال ، فأنه في مديحه لمحمد بن يوسف ، يؤكد على ان الاعداء الذين هدّ كيانهم كانوا كالجبل قوة ومنعة :


وكم جبل بالبذ منهم هددته وغاو غوى حلمته فتحلما (42)


ويقول في المعنى نفسه :


طحطحت بالخيل الجبال من العدى والكفر يقعد بالهدى ويقومالا انه في قصيدة اخرى يمدح فيها ( (43)

اما وقفة ممدوحه اسحاق بن ابراهيم بالخرمية فقد كانت عظيمة بحيث :


هاديتهم بالمشرقين بوقعة صدعت صواعقها جبال الروم (44)


وآراء ممدوحه، هي صلبة كصلابة الجبل ، فيقول :


ساري الهموم طموح العزم صادقة كأن اراءه تنحط من جبل (45)


وفي الرثاء ، يجعل من انهدام الجبل كناية عن موت مرثيه :


تكفأ متن الارض يوم تعطلت من الجبل المنهد تحت الفدافد (46)


وفي الوصف ، فأن الشتاء في خراسان قد جعل الجبال مكسوة بالثلج :


من يزعم الصيف لم يذهب بشاشته فغير ذلك امسى يزعم الجبلُ

غدا لــــه مــغفر في رأسـه يــــــقق لا تهتك الــــبيضُ ولا الاسل(47)


*** ***


3 - التلال :

وردت لفظة تل والتل ثلاث مرات بمعنى يخرجها من هدف البحث كأسم لمعركة، فقال:


وعشية التل الذي نعش الهدى اصل لها فخم من الآصال(48)



























الفصل الثاني

الطـــبيعة الــــــــحية


















:


هاديتهم بالمشرقين بوقعة صدعت صواعقها جبال الروم (44)


وآراء ممدوحه، هي صلبة كصلابة الجبل ، فيقول :


ساري الهموم طموح العزم صادقة كأن اراءه تنحط من جبل (45)


وفي الرثاء ، يجعل من انهدام الجبل كناية عن موت مرثيه :


تكفأ متن الارض يوم تعطلت من الجبل المنهد تحت الفدافد (46)


وفي الوصف ، فأن الشتاء في خراسان قد جعل الجبال مكسوة بالثلج :


من يزعم الصيف لم يذهب بشاشته فغير ذلك امسى يزعم الجبلُ

غدا لــــه مــغفر في رأسـه يــــــقق لا تهتك الــــبيضُ ولا الاسل(47)


*** ***


3 - التلال :

وردت لفظة تل والتل ثلاث مرات بمعنى يخرجها من هدف البحث كأسم لمعركة، فقال:


وعشية التل الذي نعش الهدى اصل لها فخم من الآصال(48)



























الفصل الثاني

الطـــبيعة الــــــــحية














>



المقدمة :


لا يمكن للعربي ان يعيش بعيداً عما في الطبيعة من حيوانات ، وعلى التحديد مملكتي الحيوان والطيور ، فالفائدة التي يجنيها منها كبيرة جداً ، فالحيوانات ، وكذلك الطيور ، منها ما هو وحشي وجارح ، ومنها ما هو داجن واليف 0 وقد دجن الانسان منذ القدم الكثير من الحيوانات وانتفع بما تنتجه من مواد غذائية او استهلاكية ، فضلاً عن فائدتها في مساعدته على التقليل من التعب الذي يصيبه والجهد الذي يبذله في حركته اليومية 0

وقد وقف الشعراء امام هذه الطبيعة ، وراحوا يتغنون بها وبعناصرها ، وظواهرها ، بداجنها ووحشيها ، بالزاحف او الداب منها على الارض ، او الطائر في السماء ، والسابح في النهر او البحر ، فكان ان زخر الشعر العربي منذ بدء نشوئه بعالم الطبيعة الحية 0

وقد زخرت كتب الادب والثقافة العربية منذ القدم بالاخبار عن عالم الحيوان ، وبرزت القصص الخاصة بهذا العالم التي تناقلتها لنا تلك الكتب ، حتى ان الكثير من كتب الثقافة العربية ( العلمية والفلسفية والدينية والادبية ) قد امتلأت بالاخبار عن هذا العالم 0 فالادب العربي القديم – مثلاً- قد زخر بذلك ، وكذلك كتب الامثال ورسائل اخوان الصفا ، وكتاب الف ليلة وليلة ، وكتاب كليلة ودمنة ، وبعض رسائل مؤلفينا القدامى ، كأبي العلاء المعري في رسالة الصاهل والشاحج ، كل تلك المؤلفات قد ضمت الاحاديث والاخبار عن الحيوانات ، واسمائها وصفاتها وعلاقاتها بالانسان ، تلك العلاقة القديمة التي توثقت منذ ان خلق الله سبحانه وتعالى عالم الانس وعالم الحيوان 0

وكان للشعر العربي الكأس المعلى في ذلك 0

الا اننا نجد ان عالم الحيوان في العصر العباسي لم يعد مهماً كما كان عند الجاهليين ، اناساً وشعراء (( لان الحاضرة بكافة معالمها وظروفها تختلف عن الصحراء ، فلم يكن الانسان في تعايش مستمر مع الحيوان )) (1) لذا نجد شاعرنا ابا تمام ، على الرغم من غزارة شعره ، الا انه لم يقف من هذا العالم موقفاً واسعاً ، وفي الوقت نفسه ، نجده قد اقترب منه ، وتحدث عن بعض عناصره ، وطبيعة كل عنصر منه بما يليق بممدوحه ، او مرثيه ، او مهجوه 0 وسيتناول هذا الفصل الحديث عن هذا العالم 0

في هذا الفصل درست عالم النبات ، ذلك لأن هذا العالم حياً ، فهو يتنفس ، ويكبر( ينمو ) ، يبدأ بذرة ، ثم يكبر ، وبعدها يموت ، لهذا خالفت من سبقني من الدارسين الذين درسوه في فصل الحياة الساكنة ، او من اسموها بالحياة الصامتة 0 (2)

















المبحث الاول : عالم الحيوان


1 0 الليث والسبع :

استخدم الشاعر في قصائده هذا الحيوان كثيراً ، وقد جاء ت صيغ الاستعمال كثيرة ،مثل ( ليث ، الليث ، الليوث ) 0 واذا كانت لفظة الليث صفة للاسد ، فأن لفظة سبع هي الاخرى كذلك ، وقد وردت ايضاً عدة مرات لترمز الى القوة والشجاعة 0

يمدح الشاعر عبد الله بن طاهر ، فيتساء ل قائلاً :


يقولون ان الليث لــــــــيث خفية نواجذه مطرورة ومــــخالبه

الطـــبيعة الــــــــحية














tern" ALIGN=RIGHT>وما الليث كل الليث الا ابن عثرة يعيش فواق ناقة وهو راهبه (1)


أي (( وما الليث الا من بقي ساعة وهو يخافه ))(2)

وليس الليث مكشوف دائماً ، فقد تحجبه الاجمة ، فشبه الشاعر احتجاب الخليفة بأحتجاب الليث في الاجمة الكثيفة :


يعشي اليك وضوء الـرأي قائده خليفة انـــــما آراؤه شهب

ان تمتنع منه في الاوقات رؤيته فكل ليثٍ هصور غيله اشب (3)


والشاعر في قصيدة اخرى يقدم الاعذار لممدوحه في مقاتلة اعدائه ، فيقول مخاطباً اعداء الممدوح :


اخرجتموه بكـــــرهٍ عن سجيته والنار قد تنتضى من ناضر السلم

اوطأتموه على جمر العقوق ولو لم يُخرج الليث لم يخرج من الاجم(4)


اما ممدوحه خالد بن يزيد ، فهو كالبدر حسناً ، الا ان عبوس وجهه يشبه عبوس ( ليث العرين في عَبَدِه) :


كالبدر حسناً وقد يعاوده عبوس ليث العرين في عَبَدِه (5)


اما محمد بن يوسف الطائي ، فهو كليث الغريفة ( الاجمة ) ، ماداً ذراعيه بالوصيد ، وهذا من تأثيرات القرآن الكريم على شعره ( انظر الكهف / 18 ) :


رأوا ليث الغريفة وهو ملق ذراعيه جميعاً بالوصيد (6)


اما عياش بن لهيعة ، فأنه كالليث ، قوة ، وشجاعة :


ليث ترى كـــل يوم تحت كلكله ليثاً من الانس جهم الوجه مغروسا (7)


في هذا البيت ، لا يأتي الشاعر بأداة التشبيه 0 وفي بيت آخر يشبه الشاعر نفسه بالليث ، فيقول :


ارادت بأن تحوي الرغيبات وداع وهل يفرس الليث الطلى وهو رابض ( 8 )


ان صورة تشبيه الممدوح بالليث كثيرة في شعره ، الا ان ما يجعلها متنوعة المعاني ، هو انها تنهل عناصرها من مناهل شتى 00 فعندما يمدح محمد بن يوسف ، يقول انه الليث ، الا انه لا يشبهه ، كون ممدوحه اكرم منه :


هو الليث ليث الغاب بأساً ونجدة وان كان احيا منه وجهاً واكرما ( 9 )






ALIGN=RIGHT> واذا كان ممدوحه محمد بن يوسف ، كالليث الا انه يختلف عنه ، فأن ممدوحه محمد بن الهيثم ، هو الآخر كالليث ، الا انه يختلف عنه :


كالليث ليث الغاب الا ان ذا في الروع بسام وذلك شتيم ( 10)


ويشبه الشاعر الموت بالليث ، فيقول ممتدحاً موسى بن ابراهيم :


ليث ولكنه حِـــــــمامٌ صبّ انتقتماً على الليوث (11)


واذا كان الشاعر يشبه ممدوحه بالليث ، وهذا هو الاعم بين الشعراء ، الا انه في قصيدته التي يمدح بها خالد بن يزيد ، يشبه عدو ممدوحه بالليث ، الا انه ليث معاند ، فيقول :


ومن لم يكن ينفك يغبق سيفه دماً عانداً من نحر ليثٍ معاند ؟ (12)


و يسخرالشاعر من الليث الحقيقي ، امام الليث /الممدوح ، لهذا يقول :


ليث لو ان الليث قام مقامه لأنصاع وهو يراعة اجفيل (13)


وفي احدى مراثيه ، يسمي مرثيه بـ ( ليث حرب ) ، فيقول :


لم تثكلوا ليث حرب مثل قحطبة من قيل قحطبة في سالف الزمن (14 )


اما في الهجاء ، فأن المهجو عند الشاعر كلباً ، اما الشاعر فهو الليث :


رجا ان ينجيه خساسة قدره ولم يدر ان الليث يفترس الكلبا ( 15 )


والعرب تصف ( السبع ) بالجهل ، وفي الوقت نفسه بالقوة أي ان السبع يهجم على عدوه دون حساب لقوته :


لهم جهل السباع اذا المنايا تمشت في العنا وحلوم عاد (16 )


اما ابناء موسى بن ابراهيم ، فهما كالاسدين :


اسدان شدا من دمشق وذللا من حمص امنع بلدة عريسا (17)


وممدوحه مهدي بن احرم ، قد عاش مع ( السباع ) حتى انها احالته واحداً منهم تشبيهاً له عن شجاعته وقوة بأسه :

ابن مع السباع القفر حتى لخالته السباع من السباع (18 )

اما معركة وادي عقرقس التي انتصر بها ممدوحه محمد بن يوسف على الروم ، فقد كانت ( وليمة ) للسباع والطيور :


ولم يبق في ارض البقلارطائر ولا سبع الا وقد بات مولما ( 19 )


ويحيي الشاعر روح الاستبسال والشجاعة والشهادة عند بني حميد ، فيقول في مراثيه لهم :


من لم يعاين ابا نصر وقــاتله فما رأى ضبُعاً في شدقها سبع

فيم الشماتة اعلاناً بأسد وغى افناهم الصبر اذ ابـقاهم الجزع (20 )

ويمدح فرسان الواثق ويصفهم بالاسود :


فرسان مملكةٍ ، اسود خلافة ظل الهدى غاب لها وعرين (21 )

اما الواثق ، فهو :


تدعى بطاعتك الوحوش فترعوي والاسد في عرِّيسها فتدين (22)


اما في قصيدته التي يمدح بها مالك بن طوق ، فيذكر الضرغام والهزبر ، وهما اسماء للاسد ، فيقول مادحاً :


طلبت فتى جثم بن بكر مالكاً ضرغامها وهزبرها الدلهاثا (23)


ومن اسماء الاسد ، الضيغم ، قال هاجياً :


انما الضيغم ابو الاشـ ـبال مناع كل خيس وغاب (24 )

وقال مادحاً :


وما الاسد الضرغام يوماً بعاكس صريمته ان أنَّ او بصبص الكلب (25)


*** ***


2- الذئب :

للذئب صور كثيرة في الشعر العربي ، وهي صور ممدوحة ، اذ شبه بعض من الشعراء سرعة خيولهم بسرعة الذئب 0 وكذلك في ضمور جسده وجرأته وقوته 00 وشبهوا كذلك مشيتها بمشية الذئب 00 الخ الا ان شاعرنا ابا تمام ، لم يأخذ من تلك الصور شيئاً وانما استخدمه مرتين في الاولى يهجو عبد الله الكاتب ، فيقول :

ذئب فلاة كــيده دارع صادف طياً كيده حاسر (26)

اما المرة الثانية ، فكان يفخر بقومه ، الا ان الصورة التي ورد فيها الذئب ليست من صور الفخر ، فعندما يصف فرساً ( ضبيبية ) فانه يقول :

فإن ذمت الاعداء سوء صباحها فليس يؤدي شكرها الذئب والنسر(18 )

اما معركة وادي عقرقس التي انتصر بها ممدوحه محمد بن يوسف على الروم ، فقد كانت ( وليمة T> (27 )


*** ***


3- الحية والثعبان :

فعندما يمدح دينار بن عبد الله ،فأنه يقول :


اليك سرى بالمدح قوم كأنهم على الميس حيات اللصاب النضائض (28 )


وفي الهجاء ، يصف مهجوه بالحية :

فتى ما لــــــــن تخلت ذا ته مزن حيةٍ تسعى (29 )


اما عندما يمدح محمد بن حسان الضبي ، فأنه يبدأ قصيدته بالحديث عن نفسه فيقول :

ألقت على غاربي حبل امرئ عان نوىً تقلب دوني طرف ثعبان (30 )


*** ***


4- الفرس والخيول :


بسم الله الرحمن الرحيم


(( وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً ))

صدق الله العظيم

( العاديات / 1-2-3-4-5 )


لم يهتم شعب بالخيل كأهتمام العرب بها ، حتى انهم حفظوا انسابها ووضعوا الكتب حول ذلك ( كتاب أبن الكلبي : انساب الخيل في الجاهلية والاسلام ) 00 واقسم بها الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم (سورة العاديات ) ، وعندما سأل الرسول الكريم () عن خير المال قال : (( سكة مأبورة ومهرة مأمورة )) (31) ، لما لها 13pt">(27 )


*** ***


3- الحية والثعبان :

فعندما يمدح دينار بن عبد الله ،فأنه يقول :


اليك سرى بالمدح قوم كأنهم على الميس حيات اللصاب النضائض (28 )


وفي الهجاء ، يصف مهجوه بالحية :

فتى ما لــــــــن تخلت ذا ته مزن حيةٍ تسعى (29 )


اما عندما يمدح محمد بن حسان الضبي ، فأنه يبدأ قصيدته بالحديث عن نفسه فيقول :

ألقت على غاربي حبل امرئ عان نوىً تقلب دوني طرف ثعبان (30 )


*** ***


4- الفرس والخيول :


بسم الله الرحمن الرحيم


(( وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً ))

صدق الله العظيم

( العاديات / 1-2-3-4-5 )


لم يهتم شعب بالخيل كأهتمام العرب بها ، حتى انهم حفظوا انسابها ووضعوا الكتب حول ذلك ( كتاب أبن الكلبي : انساب الخيل في الجاهلية والاسلام ) 00 واقسم بها الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم (سورة العاديات ) ، وعندما سأل الرسول الكريم () عن خير المال قال : (( سكة مأبورة ومهرة مأمورة 00 فهي آلة نقلهم ، ومالهم الذي لا ينفد ، وفخرهم الكبير ، حتى انهم راحوا يخدمونها بانفسهم في النظافة والمأكل والراحة 00 وكذلك في وضع حدوات المعدن في حوافرها 00 ولهذا شغف العرب بها وبتربيتها ، فكانت لهم ، الصديق الذي ينجده وقت الشدة 00 اذ رافقة في حياته ، ومن هذا المنطلق جاء اهتمام الشعراء في كل العصور الادبية ، بهذا المخلوق الرشيق ، السريع الجري ، فلا معركة خاضها العربي دون ان يكون للخيل دور بارز فيها ، قال ابو تمام ، وهو يمدح مالك بن طوق 0 ويذكر بعض ايام العرب التي كان للخيل فيها دوراً كبيراً:

بالخيل فوق متونهن فوارس مثل الصقور اذا لقين بغاثا (32)


وعندما يمدح الحسن بن وهب ، فأنه يقول له ، انه قد وهب من متاع الدنيا الفرس الاصفر :

نعم مـتاع الدنيا حباك بـــــــــــه اروع لا حــــــــــيدر ولا جبس

اصفــر منها كأنه مـــــحة الـــــ بيضة صاف كـــــــــأنه عـجس

هادية جذع من الاراك ومــــــــا خلف الصلا منـه صخرة جـلس

يكاد يجري الجاري من ماء عط ـفية ويجنى مــن متنه الـورس

هذب فــــــي جنسه ونال المدى بنفسه فــــــــهو وحــده جنس

ارز آباؤه الفضيلة مـــــــــــــــذ تفرست فـــي عروقها الــفرس

ليس بديعاً منه ولا عـــــــــــجبا ان يطرق الماء ورده خـــــمس

يترك ما مــر مــــذ قبيل بــــــــه كأن ادنى عهد بــــــــــه الامس (33)

لا اعرف فيما اذا كان أبو تمام يمدح في قصيدة اخرى الفرس ذاته الذي وصفه في المثال السابق ، ام انه يصف فرساً أخر ، فيقول :

ما مقرب يختال فــــــــي أشطانـه ملآن مــــــن صلف به وتلهوق

بحوافر صفر وصــــــــلب صُـلّب واشاعـــــــــر شعر وخلق اخلق

وبشعلة نبذٍ كـــــــــــــــأن قليـلها في صهوتيه بدء شيب المــفرق

ذو اولق تحت العجاج وانــــــــما من صحة افراط ذاك الا ولــــــق

تغرى العيون به ويقلق شاعـــــر في نعته عفواً ولـــــــيس بمفلق

بمصعد مـــــــن حسنه ومـصوب ومجمع مـــــــــــن نعته ومغرق

صلتان يبسط انه ردى اوان عــدا في الارض باعاً منه ليس يضيق

وتطرق الغلواء منه اذا عــــــــدا والكبرياء لـــــــــــه بغير مطرق

اهدى كنار جده فيما مـــــــــضى للمثل واستصفى ابـــــــــاه ليلبق

مسود شطر مثل ما اسود الدجى مبيض شطر كأبيضاض المـهرق

قد سالت الاوضاح ســــيل قراءة فيه فمفرق عــــــــــــليه وملتقي

فكأن فارسه يصرف اذ بــــــــــدا في متنه ابناً للصباح الا بـــــلق، وعندما سأل الرسول الكريم () عن خير المال قال : (( سكة مأبورة ومهرة مأمورة

صافي الاديم كأنـــــــــــما البسته من سندس بُــــرداً ومن استبرق

يرقى وما هـــــو بالسليم ويفتدي دون السلاح ســلاح اروع محلق

امليسه امليده لــــــــــــــو علقت في صهوتيه الــــــــعين لم تتعلق

في مطلب او مهرب او رغــــــبة او رهبةٍ او مــــــــــوكبٍ او فيلق

او طاكه الحسن بن وهب انــــــه دانــي ثرى اليد من رجاء المملق (34 )


اما عندما يفخر بقومه ، فأن للخيل وصفاً أخر ، يقول :


بخيل لزيد الخيل فيها فــــــــوارس اذا نطقوا في مشهد خرس الدهر

على كل طرف بحسر الطرف سابح وسابحة لــــــكن سباحتها الحُضرُ

طوى بطنها الاساد حتى لو انــــــه بدا لك ما شككت فـــــــي انه ظهر

ضبيبية مـــــــــــا ان تحدث نفسها بما خلفها ما دام فــــــدامها وتــر (35 )


وعندما يمدح احد ممدوحية ، يذكر ان له (( درية خيل )) ، فيقول :

درية خيل ما يزال لدى الوغى له مخلب ورد من الاسد الورد (36 )


وللخيول اسماء ومكنيات كثيرة ، منها انها ( لواحق الاقراب ) أي ( ضوامر الخيل ) :

وليالي الحشاك والثرثار قد جلبوا الجياد لواحق الاقراب (37)


ويصف جواداً ، فيقول :

وسابح هـــــــــــطل التعداء هتان على الجراء امين غـــــــير خوان

اظمى الفصوص ولم تظمأ قوائمه فجلّ عينيك فـــــــــي طمـآن ريان

فلو تراه مشيحاً والحصى فـــــلق تحت السنابك مـــــن مثنى وجدان

حلفت ان لم تثبت ان حــــــــــافره من صخر تدمراو من وجه عثمان (38 )


*** ***


5- الناقة والجمل :


بسم الله الرحمن الرحيم

(( وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ*وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ*وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ

لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌعن خير المال قال : (( سكة مأبورة ومهرة مأمورة ))

صدق الله العظيم

( النحل / 5،6،7 )


للناقة والجمل ، دور كبير في حياة العربي ، وقد تغنى الشاعر العربي بهما في شعره ، اذ كان جل الشعر الجاهلي وصفاً لها ، فلا تخلو قصيدة من ذكرهما ، وكان العالم الذي يمتح ابو تمام جل مفردات شعره منه هو هذا العالم 0

ومن كناياته ، انه كنى عن البغي بالجمل الذي يرعى في وادي النقم ، لهذا يدعو سامعيه عند مدحه لمالك بن طوق ، الى ان :


لا تجعلوا البغي ظهراً انه جمل من القطيعة يرعى وادي النقمً (39 )

والجمّال في سوء تدبيره قد يودي بجماله الى التهلكة 0 فشبه بابك الخرمي الذي اودى بجماعته ، فقتلوا شر قتله ، بهذا الجمّال ، لهذا قال مادحاً المعتصم :


لم يكس شخصاً فيئة حتى رمى وقت الزوال نعيمهم بزوال

برزت بهم هفوات علجهم وقــــد يردي الجِمال تعسف الجمّال (40 )


ويستخدم الشاعر ( الجمل المستقبل ) أي الناهض ، ليحمل ممدوحة عبد العزيز الكاتب الى حج بيت الله الحرام ، فيقول :


لقد حمل الجمل المستقل بعبد العزيز سجال الغمام (41 )


وبسمي الشاعر الجِمال بــ ( سفائف الصحراء ) التي تطوي الفجاج لتصل الى مرثيه الجوادالكريم :


ووالذي رتكت تطوي الفجاج له سفائف البر في خد الثرى تخد (42 )

ومن اسماء الابل : الوجناء = الغليظة الوجنات ، والشدنية = المنسوبة الى شدن ، وهو فحل معروف ، قال :


يا موضع الشدنية الوجناء ومصارع الادلاج والاسراء (43 )


وكذلك ( الشول ) وهي الابل (( التي ادبرت البانها ، الواحدة شائل 0 والجمع شوال )) (44) يقول :


الشول ما حلبت تدفق رسلها وتجف درتها اذا لم تجلب (45 )


وكذلك قوله ، ذاكA">سكة مأبورة ومهرة مأمورة :


والحج والغزو مقرونان في قرن فأذهب فأنت زعاف الخيل والابل (46 )


وعندما يتغزل ، فأن الجمال تحمل على ظهورها الجمّال ، فيقول :

أي حسن في الذاهبين تولى وجمّال على ظهور الجمال (47 )


وعندما يصف حجة حجها ، يصف ناقته ، قائلاً :


لعلك ذاكــــــــر الطلل الـقديم وموف بالعهود على الــرسوم

وواصف ناقـةٍ تذر المـهاري موكلةٍ بوخـــــــــــــد اوِ رسيم

وقد اممت بـيت الله نضـوأ على عيرانه حرف ســـقوم

اتيت القادسية وهــــي ترنـو اليّ بعين شيطان رجـــــــــــيم

فما بلغت بنا عسفان حــــتى رنت بلـــــــــحاظ لقمان الحكيم

وبدّ لها السرى بالجهل حلماً وقـــــــــــــدّ اديمها قدّ الا ديم

اذاب سنامها قـــطع الفيافي ومـــــزق جلدها نضج العصيم

طواها طيها المومـــاة وخداً الى اجيال مــــــــــكة والحطيم

رمت خطواتها ببني خـــطايا موا شكة الـــــــــــى رب كريم

بكل بعيدة الارجاء تــــــــيـهٍ كـــــــــأن اوراها وهج الجحيم

اقول لها وقد اوحــــت بعين الــــــــــيّ تشكي الدنف السقيم

بكورك اشعر الثقلين طـــــراً واوفـى الناس في حسب صميم

فمالك تشتكين وانت تـــحتي وتحت محمد بــــــــــدر النجوم

متى اظمتك هاجرة فشيــمي انــــــــــــــــامله ثُروّك بالنسيم

وان غشيتك ظلماء تجـــــلى بغرته دجـــــــــــى الليل البهيم

فمرت مثلما يمشي شـــــهيد سوياً فـــــــــــي صراط مستقيم (48)


والدلاث ( = الناقة السريعة ) ، فيصفها قائلاً :

ورأيت ضيف الهم لا يرضى قِرى الا مــــــــــداخلة الفقار دلاثا

شجعاء جرتها الذميل تــــــــلوكه أصلاً اذا راح المطي غـــراثا

أحداً اذا ونتِ المهاري ارقلــــــت رقـــلاً كتحرق الغضا حثحاثا (49)


ويصف الشاعر( ركباً ) ، فيقول :


وركب كأطراف الا نسة عـــــرسوا عـلى مثلها والليل تسطو غياهبه

لأمـــــرٍ عــليهم ان تتم صدوره ولـيس عــليهم ان تتم عواقبه

على كــــــــــل موار البلاط تهدمت عـــــــريكته العلياء وانضم حالبه

رعــــــــته الفيافي بعدما كان حقبة رعاها وماء الروض ينهل ساكبه

فأضحى الفلا قد جد في بري نحضه وكــــــــان زماناً قبل ذاك يلاعبه

فكم جــــــزع وادٍ جبَّ ذروة غاربٍ وبالأمFONT>:


الشول ما حلبت تدفق رسلها وتجف درتها اذا لم تجلب (45 )


وكذلك قوله ، ذاكA">سكة مأبورة ومهرة مأمورة (50 )


ويصف رحلة له الى ممدوحه ، تمتليء بالوان البيان والبديع ، وفيها من الاغراب الكثير :


كالخوط في القد والغزالة في البهــ ـجة وابن الغزال فـــي غيده

ومــــــــــــــــــــا حكاه ولا نعيم له في جيده بل حكاه فـي جيده

فالريع قــــــــــد عزني على جلدي ما محَّ من سهله ومـن جلده

لم يبق شــــــــر الفراق منه سوى شُريه من نُؤيه ومـــن وتده

سأخرق الخرق بابـــن خرقاء كالــ ـهيق اذا ما استحمّ من نجده

مقابل في الجديل صُلب القـــــــــرا لُوحِك من عجبه الـــــى كَتده (51 )


ويصف ناقة حملته الى ممدوحه ، فيقول :


الــــــــى خالد راحت بنا ارحبية مرافقها من عـــــن كراكرها نكبُ

جرى النجد الاحوى عليها فأصبحت من السير ورقاً وهي في نحرها صهب (52 )


وكذلك يصف رواحلاً ، فيقول :


وركب يساقون الركاب زجاجية من السير لم تقصد لها كف قاطب

فقد اكـــــلوا منها الغوارب بالسرى فصارت لــــــــها اشباحهم كالغوارب

يصرف مسراهـــــــا جذيل مشارق اذا آبه هــــــــــــــــــــم عذيق مغارب

يرى بالكعاب الـــــــــرود طلعة ثائر وبالعرمس الوجناء غـــــــــــــرة آيب (53 )


ويذكر العيس ، فيقول :


اذا العيس لاقت بي ابا دلفٍ فقد تقطّع ما بيني وبين النوائب (54 )


*** ***

6- الغزال والريم والمها والرشا :

من حيوانات الطبيعة الوحشية ( و الاليفة ) الغزال ، وما سمي او وصف به ، فأصبحت تلك الصفات اسماً له ، وقد ورد الغزال في شعر ابي تمام في اكثر من قصيدة ، منها ما يصفه في احدى غزلياته ، فيقول :


زائــــر زارني فهاج خيالا كنت لولاه اسواً الناس حــالا

فتمتعت من غزال وحاشى ذلك الشخص ان يكون غزالا (55 )


وفي احدى مدائحه يصف افياء ( أيام العقيق ) فيقول :


ومصيفن المستظل بظلهن سرب المها وربيعهن الصيّب (56 )


ويخاطب ( مهاة النقا ) ، فيقول :


مهاة النقا لولا الشوى والمآبض وان محضر الاعراس لي منك ماحض (57 )


ويصف الشاعر نساء في ستور ، ويشبههن ببقرات الوحش حُسناً ، فيقول :


الشول ما حلبت تدفق رسلها وتجف درتها اذا لم تجلب (45 )


وكذلك قوله ، ذاكA">سكة مأبورة ومهرة مأمورة وفي الخدود مهاً لو انها شعرت به طغت فرحاً او ابلست اسفاً (58 )


ويصفهن في قصيدة مدح اخرى ، فيقول انهن : (( كبقر الوحش في تهاديهن وحسن عيونهن ، وهن كقنا الخط في القد ، الا ان القنا ذوابل ، وهن طراء )) (59 ) :


مها الوحش الا ان هاتا اوانس قنا الخط الا ان تلك ذوابل (60 )


وفي قصيدة مديح اخرى يبدأها بالتشبيب بأحدى بنات بني بكر بن عبد مناة ، ويشبهها بالمها ، ومن ثم يؤكد على انها قد خذلت هذه المها بجمالها ، فيقول :


احــــــــــــــــــدى بني بكرعبد مناه بين الكثيب الفرد والا مــواه

القي النصيف فأنت خاذلة الـــــمها امنية الخالي ولهو اللاهــــي

ريـــــــا تجاذب خصرها اردافـــــها وتطيب نكهتها على استكراه ( 61 )


وعندما يشكر الحسن بن وهب ، على هديته التي هي غلام ، فأنه يشبه ذلك الغلام بالرشأ ، فيقول :


قد جاءنا الرشأ الذي اهديته خرقاً ولو شئنا لقلنا المركب

لدن البنان لـــــــــه لسان اعجم خرس معانيه ووجــــــه مُعرب

يرنو فيثلم فــــي القلوب بطرفه ويعن للنظر الحـــرون فيصحب (62 )


وعندما يصف الشاعر صبية في قصيدة مدح ، يشبهها بأبن الظبي ( الرشأ ) ، فيقول :


كالرشأ العوهج اطباه روع الى مغزل رغوث ( 63 )

وهذه صبية اخرى يشبهها بالرشأ ، فيقول :


ومن جيد غيداء التثني كأنما اتتك بليتيها من الرشأ الفرد (64 )


وفي الهجاء يشبه مهجوه بالرشأ الخائف :


غريراً فأيسر حالاته اذا كان كالرشأ الخائف ( 65 )


ويتغزل بصبية ، فيقول :


قضيب من الريحان في غير لونه وام رشاً في غير اكرعه الحمش (66 )


وفي احدى مفتتحات قصائده ، يشبه صبية بالريم ، فيقول :


من كل ريم لم ترم سوءاً و لم تخلط صبى ايامها بتصابي (67 )


وريم اخرى جاء ت بقصيدة مدح ، قال عنها :


ريم ابت ان يريم الحزن لي جلداً فالعين عين بماء الشوق تبتدر (68 )


والموضع الذي ذكره في مفتتح احدى قصائد المديح كانت مكاناً للريم :


ارامة كنت مألف كل ريم لو استمتعت بالأ نس القديم (69 )


*** ***


7- الظباء :

كثر ذكر الظبي في الشعر العربي ، اذ وصف الكثير من الشعراء هذا الحيوان ، وشبهوا به تناسق اعضاء جسم الحسان ، الا ان وروده في الشعر العربي خاصة ، قد جاء مع الاطلال الشول ما حلبت تدفق رسلها وتجف درتها اذا لم تجلب (45 )


وكذلك قوله ، ذاكA">سكة مأبورة ومهرة مأمورة 000 وكان ابو تمام قد استخدم هذا الحيوان في شعره في اغراض شتى 00 فها هو يستهل مديحه لعمر بن طوق بذكر الاطلال ، ويعرج على ذكر الظباء الوحشية التي كانت بدلاً عن الظباء المرببة ، أي الداجنة :


واغن من دعج الظباء مربب بدلن منه اغن غير مربب ( 70 )


ثم يذكر محبوبته التي يشبه نظرتها ، بنظرة ظبية ربعية :


واذا رنت خلت الظباء ولدنها ربعية واسترضعت في الربب (71 )


اما ممدوحه القاسم بن علي العجلي ، فقد اصيب بابكار الخطوب التي ابعدته عن هوى من شبههن بابكار الكواكب ، وهن الظباء :

اصابتك ابكار الخطوب فشتتت هواك بابكار الظباء الكواعب (72 )

وفي طلليته التي يمدح بها مالك بن طوق ، اصبحت هذه الطلول موحشة :


كالظبية الادماء صافت فارتعت زهر العرار الغض والجثجاثا (73 )


وفي قصيدة مديح اخرى ، يصف ما قد يفعله النوى ، فيقول :


هبت لا رواحــنا رياح غــير سواه ولا ديوث

بدور ليل التمام حسناً عينُ حقوف ظباء ميث (74 )


وعندما يمدح ابا سعيد الثغري ، فأنه يصف موقف توديع الاحبة ، وكيف ان الظباء قد تصورته بصورة ذئب الرمل :


ألم تــــــــــــر آرآمَ الظباء كأنها رأت بي سيد الرمل والصبح ادرع

لئن جزع الوحشي منها لرؤيتي لإنسيها مــــــن شيبِ رأسي اجزع (75 )


ويتمنى الشاعر ان تخبر الظباء بخبر يريح الرأس ، وذلك عندما يمدح عبد الله بن طاهر ، فيقول :


ليت الظباء ابا العميثل خبرت خبراً يروي صاديات الهام (76 )


ومن طريف صوره الشعرية ، ما مدح به مالك بن طوق ، فقال :


زار الخيال لها لابل ازاركه فكر اذا نام فكر الخلق لم ينم

ظبي تقنصته لـــــما نصبت له فــــي اخر الليل اشراكاً من الحلم (77 )


وفي الغزل ، يتساءل الشاعر قائلاً :


ازعمت ان الظبي يحكى طرفه والقد غصن جال فيه ماؤه

اسكت فـــــاين ضياؤه وبهاؤه وكــــماله وذكاؤه وحياؤه (78 )


ويشبه من يتغزل بها بالظبي ، فيقول :


ظبي يتيه بورده في خده خد عليه غلائل من ورده (79 )


اما التي يتغزل بحسنها ، وهي من نساء بني عامر ، فقد شبهها الشاعر بالظبي :


قد قلت لما لــــــــجَّ في صده اعطف على عبدك ياقابري

ان لم تجد لي صحت بين الورى ويـــــــلاه من ظبي بني عامر (80 )


واذا كان صبر المحب عظيماً ، لان المحبوب قد آذاه كثيراً ، فقد قال الشول ما حلبت تدفق رسلها وتجف درتها اذا لم تجلب (45 )


وكذلك قوله ، ذاكA">سكة مأبورة ومهرة مأمورة :


لكن عدوت على جسمي فبنت به يامن رأى الظبي عداءً على الذيب (81 )


وعندما يصف التي يتغزل بها ، فأنها :

ومهاً من مها الخدود وأجا ل ظباء يسر عن في الاجال (82 )


ويفرق الشاعر بين ظباء الانس وظباء الوحش ، وكذلك يجعل من الريم ،ريمين ، هما :


وظباء أنسك لم تبدل منهم بظباء وحشك ظاعناً بمقيم

مــــن كل ريم لو تبدى قطعت الحاظ مقلته فـــــــــــؤاد الريم (83 )






































المبحث الثاني : عالم الطيور :

ان صورة الطير في الشعر العربي متنوعة وعديدة ، اذ ان الطيور قد الهمت الشعراء بمشاعر القوة والسلطة ، والسيطرة ، وكذلك الحب و الحنين للاوطان ، ومن الطيور من حركت في مشاعرهم صور التشاؤم والقلق والخوف 0

ولما كانت الطيور كثيرة الانواع ، مختلفة الفصائل ، ولكل فصيلة وظيفتها وعاداتها وطباعها ، فأن استخدام الشعر لها كان قليلاً على الرغم من تنوعه 0

سندرس استفادة الشاعر ابي تمام من هذا العالم الذي قسمناه الى ما هو جارح من الطيور ، وما هو غير جارح ، بادئين الحديث عن استخدام الشاعر للفظتي طيور والطير بصورة عامة دون ان نعرف كنه هذا الطير والفصيلة التي ينتمي اليها 0


  1. - الطير :

في البيت الاتي ، يستخدم الشاعر لفظة الطير مجازاً ، ليستخدمها للرجاء ، فيقول ( طير رجائي ) :

انبطت في قلبي لوأيك مشرعاً ظلت تحوم عليه طير رجائي (1)


الصورة الشعرية هذه ، من اجمل الصور التي تشكل لوحة تشكيلية جميلة 0

اما في قصيدة مدح اخرى ، فيستخدم الشاعر لفظتي ( طير الحوادث ) اذ يفاضل بين الرياض في عهد ممدوحه ، وبين ما كانت عليه قبل ذلك :

فيا حسن الرسوم وما تمشّ اليها الدهر في صور البعاد

واذ طير الحوادث في رباها سواكن وهــي غنّاء المراد (2)


ومن التأثيرات الفلسفية في شعره ، استخدام لفظتي ( جوهر وجواهر ) الفلسفية ، فيضيف للطير لفظة جواهر ، أي ان اساس وظيفة الطيور هو في القنص ، أي في جوارحها ، لهذا يمدح ممدوحه قائلاً :


ذو تدراء واباء في الامور وهل جواهر الطير الا في جوارحها وتجف درتها اذا لم تجلب (45 )


وكذلك قوله ، ذاكA">سكة مأبورة ومهرة مأمورة (3)


اما ( طيور الجهل ) و ( طير العقل ) فهما كنايتان جاء بهما الشاعر ليمدح بهما ممدوحه ، فيقول :


جثمت طيور الجهل في اوكارها فتركن طير العقل غير جثوم ( 4 )


*** ***


  1. - العقاب والشاهين :

ورد ذكر ( الشاهين ) في شعر ابي تمام مرة واحدة ، مادحاً ومؤكداً على ان الشاهين لا يصيد الا بعد ان يحوم على طريدته :


فتح الله فـــــــي اللواء لك الخا فق يوم الافشين فتحا عظيماً

حومته ريح الجنوب ولن يحمد صيد الشاهين حــــتى يحوما (5)


ومن كنايات الشاعر ، ( عقبان اعلامه ) أي رايات ممدوحه ، وهنا يستخدم الشاعر التجنيس ،بين ( عقبان اعلامه ) و ( عقبان الطير ) فيقول :


وقد ظلك عقبان اعلامه ضحى بعقبان طير في الدماء نواهل (6)


*** ***

  1. - النسر والصقر والباز :

ورد ذكر الصقر مرة واحدة ، مشبها الفوارس به ، فيقول :


بالخيل فوق متونهن فوارس مثل الصقور اذا لقين بغاثا (7)


اما النسر ، الطائر المشهور ، فقد ورد ثلاث مرات ، قال :

حططت بها يوم العروبة عزه وكان مقيماً بين نسر وفرقد (8)


ويصف سهم ممدوحه الذي رمى به الاعداء ، فيقول :


سهم الخليفة في الهيجا اذا سعرت بالبيض والتفت الاحقاب والغُرض

بـــــذلك السم ذي النصلين قد حُفرا بـريش نسرين يُرمى ذلك الغرض (9 )


والنسور معروفة باعمارها ، لذا يقول في الرثاء :


ولو عاش فينا بعد عيش فعاله لأ خلق اعمار النسور القشاعم (10 )


ويرد ذكر الباز مرة واحدة في شعره 0 فيصف كرم ممدوحه الذي ينظر بعيني الباز ، ويغفل عمن يسيء ادبه وليس بمغفل في الحقيقة :


يعشى عليها وهو يجلو مقلتي باز ويغفل وهو غير مغفل (11 )


وكذلك قوله مفتخراً بفرس ضبيبية :

سكة مأبورة ومهرة مأمورة

فأن ذمت الاعداء سوء صباحها فليس يؤدي شكرها الذئب والنسر ( 12 )


*** ***

  1. الحمام والقمرية والقطا :

لا اعرف السبب الذي جعل ابي تمام زاهداً بعالم الطيور ، والطيور الاليفة خاصة ، على الرغم من كونه من عالم فلا حي ، لهذا لم نجد في شعره ذكر سوى للحمام مرتين ، قال في الاولى :


كأن عليه الدمع ضربة لازم اذا ما حمام الايك في الايك غنت (13 )


وفي البيت الاتي تورية ، فالشاعر يخاطب ممدوحه ويخبره اللا يستمع لبكاء الحمام فيزجره لأن في زجره تحويل اسمه الى الحـِمام ، أي الموت :


هن الحمام فأن كسرت عيافه من حائهن فأنهن حـِمام (14 )


وذكر الشاعر قمرية تتقاسم الغرام مع طائر غريد ، فيقول :


غـــــنى فشاقك طائر غريد لــــــــما ترنم والغصون تميد

ساق على ساق دعا قمرية فدعت تقاسمه الهوى وتصيد

إلفان في ظل الغصون تآلفا والتف بينهما هـــــوىً معقود (15 )


اما القطا ، فقد جاء ت في قصيدة مدح ، يشبه راقصات ، فيقول :


بالراقصات كأنها رسل القطا والمقربات بهن مثل الافكل (16)

































المبحث الثالث : عالم النباتات


لعالم النبات دور كبير في حياة الانسان ، والانسان العربي خاصة ، حيث منه مأكله ودواءه ، وملبسه ، وسلاحه ،وادواته ،فلا يخلو بيت او خيمة عربية من منتوجات هذا العالم ، فراح الشعراء يتغنون به في اشعارهم 00

وكذلك العالم الذي يضم هذه النباتات ، كالجنة والفردوس والروض 0 جاء ذكر الفراديس في بعض قصائد الشاعر ، منها في قصيدة مديح ، يقول فيها :


اهل الفراديس لم ا قصد لذكركم الا رعى وسقى الله الفراديسا (1)0


*** ***

1 ـ الشجر والأغصان :

جاء ذكر الشجر ، كأسم عام لجنس النباتات في شعر ابي تمام اكثر من مرة 0 يقول مادحاً :


واهتز ريعان الشباب فأشرقت لتهلل الشجر القُرى والبيد (2 )


اما الفراق والبين الذي كان بينه وبين الممدوح ، فقد استنبت شجراً من الهموم :


استنبت القلب من لوعاته شجراً من الهموم فأحنتها الوساويسا >

وكذلك قوله مفتخراً بفرس ضبيبية :

سكة مأبورة ومهرة مأمورة (3)


اما مموحيه ، فهم ( الشجر الجني ) ، فيقول :


وثلاثة الشجر الجني تكافأت افنانها وثمارها وارومها (4)

ويجعل الشاعر للبخل شجراً ، فيقول :


بخلت على عرضي بما صونه رجاء اجتناء الجود من شجر البخل (5)


وقال مادحاً :


ضرح القذى وشذب سيفه عن عيصها الخراب والخباثا (6)


ولما كانت الاشجار عبارة عن مجموعة من الأغصان ، فقد جاء ذكر الاغصان في شعر ابي تمام 0

يصور لنا الشاعر غراما بين طائر غريد و ( قمرية ) بين الاغصان ، فيقول :


غــــــنى فشاقك طائر غريد لـــــــــما ترنم والغصون تميد

ساق على ساق دعا قمرية فدعت تقاسمه الهوى وتصيد

إلفان في ظل الغصون تآلفا والتف بينهما هـــــوىً معقود (7)


والصورة التشكيلية التي رسمها الشاعر تنطق بالجمال ، في قوله :


غصن على البان مهتز على قمر يهتز مثل اهتزاز الغصن في البان (8 )

او كما في قوله :


لو تراه يا ابا الحسن قمراً اوفى على غصن ( 9 )


وكذلك قوله :


الحسن جزء من وجهك الحسن يا قمراً موفياً على غصن ( 10)


وفي الغزل يقول :


يا غصن بان ناعم قده فوق نقاً يهتز اعلاه (11 )


وفي الهجاء يستخدم الشاعر لفظتي ( غصون السفاح ) ، فيقول :


يا ابن تلك التي بحران لما نبتت انبتت غصون سفاح ( 12 )


ويشبه احدى مرثياته بالغصن الرطيب ، فيقول :


جفوف البلى اسرعت في الغصن الرطيب

وخطب الردى والموت ابرحت من خطب ( 13 )


وفي الغزل ، يقول :


نفسي فــــداء محمد ووقا ؤه وكذبت ما في العالمين فداؤه

ازعمت ان الظبي يحكي طرفه والقد غـصن جــال فيه ماؤه ( 14 )


يسأل الشاعر المتغزل به ، عن كيفية اعتداله كأعتدال الغصن ، وفي الوقت نفسه ، يفعل ماهو جائر :


كيف اعتدلت مع اعتدال الغصن في حركاته وفعلت فعل الجائر (15 )


وفي بائيته ، يقول الشاعر ان كلام المنجمين ما هو الا احاديث ملفقة ، أي ليس بالشجر ( النبع ) صلابة ، ولا بالشجر ( الغرب ) الذي ليست له قوة :


تخرصاً واحاديثاً ملفقة ليست بنبع اذا عدت ولا غرب ( 16 )


*** ***


2- الورد والزهر :


لا نريد ان نقول ماذا يعني الورد للعربي ، وخاصة ابن المدينة والقرية الزراعية ، كشاعرنا ابي تمام ، لان الورد والازهار مما يجلبا الفرح والسرور والسعادة لناظريهما ، فالشاعر عندما يمدح محمد بن يوسف الطائي ، يبدأ قصيدته بالحديث عن صبية تبكي بُعد محبوبها ، مما يجعل خديها بلون البنفسج ، وكانا كالوردة :


اظـن دموعها سنن الفريد وهي سلكاه من نحر وجيد

لها مــن لوعة البين التدام يعـــيد بنفسجاً وردَ الخدود ( 17 ) 0


واذا كان الافق يتلون بالوان شتى ، فأن يد الممدوح تجعل من الافق الوردي ، افقاً اخضر اللون ، أي كريماً جواداَ :


يد يستذل الدهر في نفحاتها ويخضر من معروفها الافق الورد ( 18 )


وللورد زمن خاص به ، لهذا يقول في مديحه لموسى بن ابراهيم :


ومن زمن البستينيه كأنه اذا ذكرت ايامه زمن الورد( 19 )


والورد ، هو رمز للصداقه والاخوة ، ويقدم في مناسبات شتى ، لهذا نرى الشاعر يقول لممدوحه :


او ما رأيت الورد اتحفنا به اتحاف من خطر الصديق بباله ( 20 )


وان مغنى الممدوح ، فيه الحسان اللائي خدودهن كالورد :


عهدي بمغناك حسان المعالم من حسانه الورد والبردي والعنم ( 21 )


والشاعر فيما تمناه – كما يقول – قد وقع في خطأ التمني قتيلاً بين الورد والآس :

كدت – وأخطأت – بذكراك ان اقتل بين الورد والآس (22 )


وفي الرثاء ، يقول :


فتىً ينفج الاقوام من طيب ذكره ثناءً كأن العنبر الورد شامله (23 )

اما عندما يتغزل ،فأن الورد يقسم بان لايفارق خدود التي يتغزل بها :

واقسم الورد ايماناً مغلظة ألا تفارق خديه عجائبة (24 )


وكذلك يقول في قصيدة أخرى :


فأحمر حتى كدت أن لا ارى وجنته من كثرة الورد (25 )


وفي غزلية اخرى لا ينكر فعل الحمى في وجه المتغزل بها :


ان وجه الحمى لوجه صفيق حين تسطو به ناراً جهاراً serif">نفسي فــــداء محمد ووقا ؤه وكذبت ما في العالمين فداؤه

ازعمت ان الظبي يحكي طرفه والقد غـصن جــال فيه ماؤه ( 14 )


يسأل الشاعر المتغزل به ، عن كيفية اعتداله كأعتدال الغصن ، وفي الوقت نفسه ، يفعل ماهو جائر :

لم تشن وجهه المليح ولكن جعلت ورد خــــده جلنارا (26 )


ويقول في قصيدة اخرى يصف فيها خد التي يتغزل بها :

يا غزالاً قطان وجنته الور د ودر بفيه دُر نثير (27 )


و يقول واصفاً خداً بالورد :

حبك بين الحشا مقيم يا أيها الشادن الرخيم

اما وخـــد علاه ورد ابــدع في طيبه النعيم (28 )


وقد تناول الشاعر الزهر والزهرة والزهور في شعره 0 فها هو يصف ظبية قد ارتعت ( زهر العرار ) وهو نبت طيب الريح :


كالظبية الأدماء صافة فأرتعت زهر العرار الغضب والجثجاثا

حتى اذا ضرب الربيع رواقــه سافت برير اراكــــــــةٍ وكباثا(29 )


ويصف حساناً قد ارتدين ثياباً مزهرة ، فيقول :


خرجن في خضرة كالروض ليس لها الا الحلي على اعناقها زهر ( 30 )

وعندما يخاطب صاحبيه ، يطلب منهما ان ينظرا الى الارض كيف اصبحت في وقت الربيع ، فيقول :


يا صاحبيَّ تقصيا نظريكــما تريا وجوه الارض كيف تصور

تريا نهاراً مشمساً قد شابه زهر الربا فكأنما هــــــــو مقمر (31 )


وزهرة الامال ، قد تفتحت عندما انتصر المسلمون على اعدائهم ، فيقول :


يوم اضاء به الزمان وفتحت فيه الاسنة زهرة الامال ( 32 )


وفي الرثاء يدعو الى ان يعزز آل المتوفي بأخر ، هو ( زهرة ) يتفتق عنها المجد :


زهرة غضة تفتق عنها الـ مجد في منبت انيق الخباب ( 33 )


وفي رثاء اخر ، يتساءل قائلاً :


يا دهر أية زهرة للمجد لم تجفف وأية ايكة لم تخضد (34 )

وفي الغزل ، يقول :

لهف نفسي لا بــــــل عليكا ان تـــجول العيون فتي خديكا

وعزيز عليّ ان تجتني الابـ صار زهر الربيع من وجنتيكا ( 35 )


ويقول واصفاً :


وتبسم للعقل ابتسام اقاحه متزاهراً عن باكر الالوان ( 36 )


يسأل الشاعر المتغزل به ، عن كيفية اعتداله كأعتدال الغصن ، وفي الوقت نفسه ، يفعل ماهو جائر :






































الباب الثالث

الدراسة الفنية








































الفصل الاول

البنية اللغوية
















المقدمة :

من اهم الافكار النقدية التي صاغها عبقري النقد العربي القديم ، الامام عبد القاهر الجرجاني ، في كتابه (( دلائل الاعجاز )) هي نظرية (النظم ) اذ انه قال : (( ليس النظم سوى تعليق الكلم بعضها ببعض ، وجعل بعضها بسبب من بعض )) 0(1)

وقال كذلك : (( واما نظم الكلم فليس الامر فيه كذلك لأنك تقتفي في نظمها اثار المعاني وترتيبها على حسب ترتيب المعاني في النفس ، فهو اذن نظم يعتبر منه حال المنظوم بعضه مع بعض ، وليس هو النظم الذي معناه ضم الشيء الى الشيء، كيف جاء واتفق )) (2) 0

وقد جاء النقد الحديث – البنيوي وما بعد البنيوي - بمثل هذا المعنى عندما صاغ نظريته ومنهجه النقدي عن علاقات البنية في النص الادبي 0

ولما كان الشعر هو (( فن اللغة )) (3) كما يقول ( بول فاليري ) ، أي هو فن فك مغاليق اللغ






































الباب الثالث

الدراسة الفنية








































الفصل الاول

البنية اللغوية
















المقدمة :

من اهم الافكار النقدية التي صاغها عبقري النقد العربي القديم ، الامام عبد القاهر الجرجاني ، في كتابه (( دلائل الاعجاز )) هي نظرية (النظم ) اذ انه قال : (( ليس النظم سوى تعليق الكلم بعضها ببعض ، وجعل بعضها بسبب من بعض )) 0(1)

وقال كذلك : (( واما نظم الكلم فليس الامر فيه كذلك لأنك تقتفي في نظمها اثار المعاني وترتيبها على حسب ترتيب المعاني في النفس ، فهو اذن نظم يعتبر منه حال المنظوم بعضه مع بعض ، وليس هو النظم الذي معناه ضم الشيء الى الشيء، كيف جاء واتفق )) (2) 0

وقد جاء النقد الحديث – البنيوي وما بعد البنيوي - بمثل هذا المعنى عندما صاغ نظريته ومنهجه النقدي عن علاقات البنية في النص الادبي 0

ولما كان الشعر هو (( فن اللغة )) (3) كما يقول 0

وعندما قالت اليزابيث درو : (( الشعر استعمال خاص للغة )) (4 ) فأنها كانت تريد ان تضع حدا ً بين لغة الشعر ولغة النثر التي هي لغة اشارية يتطابق فيها الدال بالمدلول ، فضلا ً عن تصريحها وتقريريتها ، وانما – أي اللغة الشعرية – هي لغة قد انحرفت عما يقصد بها معياريا ً ، او قاموسيا ً ، وان هذا الانحراف (( لا يكمن في المادة الصوتية ولا في المادة الايديولوجية ، بل يكمن في نمط خاص من العلاقات التي يقيمها الشعر بين الدال والمدلول من جهة ، وبين المدلولات من جهة اخرى )) 0(5 )

فما الذي يحول اللغة من معياريتها الى ان تكون لغة شعرية ؟

يقول ابن خلدون عما يميز لغة الشعر عن لغة النثر ، هو ان الشعر : (( الكلام البليغ المبني على الاستعارة والاوصاف المفصل باجزاء متفقة في الوزن والروي مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وبعده الجاري على اساليب العرب المخصوصة به )) (6 ) 0

وكما تقول الشاعرة نازك الملائكة : (( الصور الحسية ، واضفاء غلالة من الخيال ، واستثارة الاصداء البعيدة في الالفاظ ، وخلق الجو واحاطة العبارات بأجواء نفسية متشابكة )) (7 ) 0

كل هذا يجعل من علاقات البناء الداخلي بين الالفاظ السبيل الى خلق اللغة الشعرية ، وتميزها عن اللغة النثرية 0 وهذه العمليات لا تتم بصورة ارادية داخل الجملة الشعرية ، او داخل كيان القصيدة ، وانما تتم بصورة غير ارادية في مخيلة الشاعر نفسه ، وهذه العلاقات هي التي تقوم بوظيفة تحويل الصورة من مجالها النثري الى مجالها الشعري ، وان ما يجعل من اللغة ، لغة شعرية ، هو ما تتسم به تلك اللغة من سمات تركيبية على مستوى المحور الدلالي ، وكذلك على المحور الايقاعي ومن ثم المحور الرؤيوي فيما بعد 0 وان ما يربط هذه المحاور ، هو تلك العلاقات التي تتحكم بلغة الشعر ، أي باللغة المعيارية عند تحويلها الى لغة شعرية 0 ومن هذا المنطلق ، تنبه احد نقادنا القدامى عندما وجد ان اية لفظة ، او كلمة ، يمكن للانسان ان ينطق بها هي مفردة شعرية ، عندما يحسن ذلك الانسان بناء العلاقات التي تربطها مع المفردات الاخرى ، وهذا ما اكد