Is owner
View only
Upload & Edit
التداولية ومنزلتها في النقد الحديث والمعاصر.docx
Download
Share
Add to my account
Buy ads here

التداولية ومنزلتها في النقد الحديث والمعاصر


 


بقلم الأستاذ : رخرور أمحمد ـ الجزائر

ما هي التداولية ؟ :
تسعى التداولية لأن تتجاوز حدود الخطاب لتصير نظرية عامة للفعل والنشاط الإنساني، شغلها الشاغل إنما هو دراسة اللغة في المقام ، الذي يهتم بما يفعله المستعملون بالألفاظ
.
وتذهب الدراسات إلى أن
"شارل ساندرس بيرس"·1839ـ1914هو أول من ابتكر كلمة "البراجماتية"، وذلك في مقالته الشهيرة"كيف نجعل أفكارنا واضحة ؟" . و مما جاء فيها : ÷ لكي نبلغ الوضوح التام في أفكارنا من موضوع ما ، فإننا لا نحتاج إلا إلى اعتبار ما قد ترتب من آثار يمكن تصورها ذات طابع عملي ، قد يتضمنها الشيء أو الموضوع... ×([1]) .
كما يعد
"شارل موريس" أول من بادر إلى إرساء تعريف مقصود لمصطلح "التداولية" ؛ وخلاصة هذا التعريف هي أنها دراسة علاقة العلامات بمستعمليها ، أي دراسة اللغة أثناء ممارستها إحدى وظائفها الإنجازية والحوارية والتواصلية . وقد عدّها جزء من السيميائيات ، وذلك لمّا أقرّ بأن للسيميائيات ثلاثة فروع هي :
ـ التركيب النحوي
: ويُعنى بدراسة العلاقات الشكلية بين العلامات .
ـ الدلالة وهي دراسة علاقات العلامات فيما بينها وبين الأشياء ، أي ارتباطها بالمعنى
.
ـ التداولية
: وهي دراسة ارتباط العلامات بمؤوليها أي بمستعمليها .
وينعت كل من
"غرين"1989Green و "بليكومور"1990Blikmore التداولية بأنها فهم اللغة الطبيعية . وهي عند "الجمعية العالمية للتداولية" نظرية للتبني اللساني . ويرى "فارسشيرن"1987Werschueerenأن على التداولية أن تمعن الفكر أكثر في استعمالات اللغة من كل جوانبها . في حين هي عند "فرانسواز ريكانتي" فرع من دراسة استعمال اللغة في الخطاب .
وفي نظر مؤسس التداولية ـ تداولية أفعال الكلام كما يحلو للبعض تسميتها ـ الأول
"جون أوستين"·· أن وظيفة اللغة لا تقتصر على نقل وإيصال المعلومات وإرسالها . أو التعبير عما يجول في خواطرنا من أفكار ، وما يجيش في صدورنا من مشاعر وإظهارها . وإنما يجب أن تضطلع اللغة ـ وهو أمر موافق لطبيعتها ـ بتحويل ما يبدر من أقوال ، في إطار ظروف سياقية ، إلى أفعال ذات سمات اجتماعية .
والتداولية عند كل من
"أ.م.ديلر" و"ف.ريكاناتي"هي دراسة تهتم باللغة في الخطاب ، وتنظر في الوسميات الخاصة به ، قصد تأكيد طابعه التخاطبي .
وما يمكن أن نخرج به من كل هذه التعريفات ، هو تكرار الألفاظ
(اللغة ، المستعملين ، السياقات ، الخطاب ، التخاطب ، المخاطب ، أفعال الكلام ...) . وبتجميع هذه الألفاظ ، نستطيع تكوين فكرة شمولية عن معنى التداولية ووظيفتها .
فهي مبحث لساني يدرس الكيفية التي يصدر ويعي بها الناس فعلا تواصليا ، أو فعلا كلاميا غالبا ما يأتي في شكل محادثة
. كما أنها تهتم بالبحث عن الأسباب التي تتضافر لتؤدي إلى نجاح المتحاورين أثناء إجراء المحادثة أو التخاطب .
فالتداولية ـ على ما يبدو ـ علم يهتم بعلاقة اللغة بمستعمليها ، هدفه إرساء مبادئ للحوار ، في علاقته الوثيقة مع المقام الذي ينتج فيه الكلام
. ومن هذه التحديدات يعنّ لنا أن التداولية تخصص لساني يحدد موضوعه في المجال الاستعمالي ، أو الإنجازي لما نتكلم به ؛ ويدرس كيفية استعمال المتكلمين للأدلة اللغوية أثناء حواراتهم ، وفي صب أحاديثهم ، وفي خضم خطاباتهم . كما يعتني هذا التخصص بكيفية تأويل مستعملي اللغة لتلك الخطابات وتلك الأحاديث ، كما ويهتم أيضا بمنشئ الكلام (الخطيب ، المتكلم) ، وكذا السياق .
ويقدم الدكتور
"مسعود صحراوي" تعريفا واضحا للتداولية في كتابه القيم "التداولية عند العلماء العرب" ، وذلك بعد أن يُلف الانتباه إلى أن ميدان النقد والدراسات اللسانية لم يصبح حكرا على التيارين البنيوي والتوليدي وحسب . بل إن الساحة النقدية صارت تعج بالنظريات والمفاهيم اللغوية المتباينة ، والتي تمخّض عنها ميلاد عدد من التيارات اللسانية . ثم يعوج على التيار التداولي بقوله وهو مذهب لساني يدرس علاقة النشاط اللغوي بمستعمليه ، وطرق وكيفيات استخدام العلامات اللغوية بنجاح ، والسياقات والطبقات المقامية المختلفة التي ينجز ضمنها "الخطاب" ، والبحث عن العوامل التي تجعل من "الخطاب " رسالة تواصلية "واضحة"و"ناجحة" . والبحث في أسباب الفشل في التواصل باللغات الطبيعية...×([2]).
وفي معرض حديث الدكتور عن الفرق الجلي بين المنهج البنيوي والمنهج التداولي، يوصّف التداولية بأنها
: ÷...ليستعلماً لغوياً محضاً بالمعنى التقليدي ، علماً يكتفي بوصف وتفسير البنى اللغوية ويتوقف عند حدودها وأشكالها الظاهرة ، ولكنها علم جديد للتواصل يدرس الظواهر اللغوية في مجال الاستعمال ؛ ويدمج من ثمّ مشاريع معرفية متعددة في دراسة ظاهرة " التواصل اللغوي وتفسيره"×([3]) .
إن التداولية إذا تخصص لساني يدرس كيفية استخدام الناس للأدلة اللغوية في صلب أحاديثهم وخطاباتهم ، كما يعنى هذا التخصص من جانب آخر بكيفية تأويلهم لتلك الخطابات والأحاديث
. ومن هنا جز لنا القول إن اللسانيات التداولية إنما هي لسانيات "الحوار" أو"الملكة التبليغية" compétence de communication ، والتي تقابل الملكة اللغوية الصرفة عند "تشومسكي" .
وبالاستناد إلى هذه التعريفات تغدو التداولية العلم الذي يدرس الأفكار والمعاني والألفاظ والمفاهيم والإشارات ، وكل ما له علاقة بالاستعمال اللغوي
. وبعبارة جامعة نقول إن التداولية هي أداة للتفسير والنقد معا ، تبدو قيمتها في اعتبارها وسيلة معرفية نلجأ إليها لتعيننا على فهم ومعرفة وتمييز هل أن ما نبحث فيه له قيمة ومعنى أم ليس له ذلك ؟ .كما أننا نتمكن بواسطتها من قياس درجة الصحة والخطإ في المواضيع التي ندرسها . ثم هل هي جديرة بان تأخذ منا الجهد والوقت في البحث عن خصائصها أم لا ...؟ .
التداولية في النقد الحديث والمعاصر
:
إن التيار التداولي حقل لساني تبلور في السبعينيات من القرن الماضي ، وهو العلم اللغوي الأحدث بين بقية العلوم اللغوية الأخرى
. فهو نظرية نقدية لمّا يكتمل بناؤها بعد ، استمد قوته من ميدان اهتمامه ، حيث اهتمّ بدراسة أفعال النطق التي ظلت ردحا من الزمن مغيبة عن الدراسة والتحليل ، بداعي وجود حواجز وهمية بين اللغة والكلام ، بين الدلالة والاستعمال . لذلك فإن أساس التداولية قائم على رفض ثنائية "دي سوسير" الشهيرة ، اللغة / الكلام langue/parole ، والتي مفادها أن اللغة وحدها دون الكلام جديرة بالدراسة العلمية ، وجديرة باهتمام اللسانيين . في حين تهدف التداولية إلى دراسة العلاقات الموجودة بين اللغة ومتداوليها من الناطقين بها . فكان أن حملت على عاتقها مهمة تحليل عمليات الكلام ، ووصف وظائف الألفاظ اللغوية ، وبيان خصائصها عند التواصل اللغوي .
عن التداولية منهج للتحليل ينشد
"الحقيقة الفعلية" في تناول الظواهر اللغوية ، أي يحلل الوقائع ضمن صلتها بسياقاتها الفعلية التي ولدت في حضنها . ومن هنا وبالنظر إلى شساعة دائرة اهتمامات التداولية ، صارت نظرية صعبة التقنين وعصية الضبط ، فلا يمكن النظر إليها على أنها مذهب نقدي مختص بأتم معنى الكلمة . فقد تأكد للمختصين في هذا المجال أن الإحاطة بتعريف التداولية صعب ، وأن ضبط مناهجها عناء ، وأن حصر أهدافها مشقة . إلا أن هذا الوصف ينبغي أن يجعلنا نتقبل هذا المذهب بشيء قليل من الدهشة والاستغراب ، خاصة إذا ما علمنا أن التداولية تخضع لهيمنة طائفة من التيارات العلمية المختلفة ، تمس أسسها المنهجية ، بل وقد يتعدى الأمر إلى التشكيك في هويتها كاختصاص لساني ، وفي ذلك يقول د/حسن يوسفي إن التداولية حقل لساني ملتبس ...(وتبدو) التباساته بحيث يصعب على المتتبع لتطور اللسانيات المعاصرة أن يعرف الحدود الفاصلة بين المجالات اللسانية المعروفة وبين التداولية . ويستعصى عليه بالتالي تحديد موضوع هذه الأخيرة ، وإبراز نماذجها النظرية وأجهزتها الإجرائية ×([4]) .
ومن جهتها تعترف الباحثة
"كاترين كربرات أوركيونيبهذا الغموض الذي يعتري حدود التداولية بقولهاهل يمكن القول أولا:التداولية أو التداوليات؟.هل هي تخصص أو ملتقى تخصصات مختلفة؟ ([5]). وعلى شاكلتها يقر "دو#### مانجينو" بصعوبة تحديد ماهية التداولية في كتابه "التداولية للخطاب الأدبي" Pragmatique pour le discours littéraire .
ولهذا تعد التداولية كدراسة علمية في حقل اللسانيات لا يزال السؤال يطرح حول ما إذا تم تحديد ماهيتها كحقل لساني ،وقد انبثق عن هذا إشكاليات معقدة ، من مثل
: ما هي حدود وفرضيات وأدوات التداولية ؟ ويأتي الجواب من "أرمونجو فرانسواز" بأن÷ الإجماع لم يتحقق بعد بين الباحثين فيما يخصّ تحديد فرضياتها ، ولا حتى فيما يخصّ مصطلحاتها . يلاحظ بجلاء ، على العكس من ذلك ، إلى أي حد تشكل ملتقى غنيا لتداخل الاختصاصات بين اللسانيين ، المناطقة ، السيميوطقيين ، الفلاسفة ، علماء النفس ، علماء الاجتماع ×([6]) .
وعلى الرغم مما يسجل من التداخلات والالتباسات الناجمة عن علاقة التداولية بشتى العلوم ، فقد أمكن تعيين مجموعة من القضايا اللغوية التي هي محل اهتمام التداولية ، وتدخل في نطاق تخصصها
. كما تم أيضا معرفة جملة من المسائل التي تشكل موضوعا لها . ومن ذلك محاولة التداولية إيجاد الإجابة للأسئلة التي كانت محل قلق وإزعاج للمباحث اللسانية السابقة . ومن هنا تبدو قيمة البحث التداولي في كونه يسعى إلى الإجابة عن بعض الطروحات اللسانية السابقة ، من قبيل :
÷
ـ من يتكلم ؟
.
ـ من هو المتلقي ؟
.
ـ ما هي مقصديتنا أثناء الكلام ؟
.
ـ كيف نتكلم بشيء ، ونسعى لقول شيء آخر ؟
.
ـ ماذا علينا أن نفعل حتى نتجنب الإبهام والغموض في عملية التواصل ؟
.
ـ هل المعنى الضمني كاف لتحديد المقصود ؟
×([7]).
إن هذه الأسئلة ، وغيرها مما هو على شاكلتها ، لهي محل إثارة فعلية لقضايا لغوية متعددة المرامي
. تتم الإجابة عنها في التداولية بصيغة تتماشى والطابع المتجدد والجدالي لهذا المبحث اللساني الذي يبدئ الفكر ويعيد في المباحث والمواقف التي ميّزت الأبحاث اللسانية السابقة ، فيبعث بعضها من جديد ، ويطور بعضها الآخر .
وتقر الدراسات المهتمة بالنقد الحديث على أن دراسة المعنى وعلاقته بموقف الكلام ، توجه جديد يحتل قمة اهتمامات التداولية
. وللكلام جوانب كثيرة طالها مجال الدرس التداولي نجملها في : المخاطَبين والمخاطِبين ، وسياق التفوه ، والفعل الإنجازي ، والتفوه بوصفه نتاجا . وقد نجم عن هذا الاهتمام العام أن تفرعت عنه موضوعات كثيرة هامة ، تجتهد التداولية في معالجتها والبحث فيها ، منها : المفردات التأشيرية ، والتضمينات المحادثية ، الاقتضاء ، والمعاني الحرفية ، والمعاني السياقية ، وأفعال الكلام وتصنيفاتها ، وتحليل الخطاب ، وتحليل المحادثة ... .
وبالنظر إلى مباحثها ، تغدو التداولية بحق
÷ نظرية استعمالية ، حيث تدرس اللغة في استعمال الناطقين بها ، ونظرية تخاطبية تعالج شروط التبليغ والتواصل الذي يقصد إليه الناطقون من وراء الاستعمال للغة×([8]). وبفضل توجهاتها الجديدة هذه ، تحولت الدراسات اللسانية من مجال اللغة إلى مجال الأدب، ولذلك صارت تنعت بالتداولية الأدبية ، والتي موضوعها دراسة النصوص وتحليلها .
وبعبارة أخرى أكثر وضوحاً ، فقد نقلت التداولية النص من الدراسات التي كانت منصبة على المستوى النحوي والدلالي والمعجمي ، إلى المستوى التداولي ، حيث نلفي أن جهود المنشغلين في حقل النصوص الأدبية تركّز على مفهوم
"التواصل" القائم على أساس الفهم والتأويل . هذا التواصل الذي كان محل اهتمام القراءة باعتبارها÷ تواصلاً يتحقق بين القارئ وموضوع القراءة ، فالوصفية النقدية في إطار عملية القراءة ، وظيفة تقوم على أساس السعي إلى تحقيق تواصل فعّال بين القارئ وموضوع القراءة . وكأي تواصل تحتاج عملية القراءة إلى أسباب لعناصر الموضوع المقروء ، وإحاطة بالعوامل الفاعلة فيه ، مثل السياق ، ومقاصد الكلام ×([9]) .
هذا التوجه الجديد حدا بالدراسات النقدية الحديثة إلى إحداث تحول في مضامينها أيضا ، فانتقلت بموجب ذلك من الاهتمام بمستويات الصياغة اللفظية والنصية إلى إيلاء الاهتمام بالحدث الأدبي وما يرتبط به من الاتصال الاجتماعي ، أي التحول إلى العناية بالمستوى التواصلي ، وما يتعلق به من سياقات أو تحديدا سياقية
. في حين كانت هذه الدراسات تهتم باللغة في مستوى النص كنظام ؛ ويعتبر بهذا بديلاً نقديا للنظريات الأدبية السابقة ، كلسانيات الجملة ، واللسانيات النسقية ، والأسلوبية ، والبنيوية ... .
إن هذا العلم الفتي ما فتئ يتطور منذ ظهوره إلى الآن ، حتى أضحى رافداً هاماً من روافد الدراسات اللسانية المعاصرة ، التي اهتمت بالتحليل التداولي الذي يتميز بالتداخل في الاختصاصات
. وعليه فقد جاءت التداولية لتناقض مفهوم الشكل الواحد للمعنى ، وتدعو إلى تقويض مبدإ الاعتداد بالملفوظ اللساني كدليل وحيد ، أو كعامل فريد لبناء جمالية النص ، وتحليل بنيته وفقْهه من قبل المتلقي . :
÷
ـ من يتكلم ؟
.
ـ من هو المتلقي ؟
.
ـ ما هي مقصديتنا أثناء الكلام ؟
.
ـ كيف نتكلم بشيء ، ونسعى لقول شيء آخر ؟
.
ـ ماذا علينا أن نفعل حتى نتجنب الإبهام والغموض في عملية التواصل ؟
.
ـ هل المعنى الضمني كاف لتحديد المقصود ؟
×([7]).
إن هذه الأسئلة ، وغيرها مما هو على شاكلتها ، لهي محل إثارة فعلية لقضايا لغوية متعددة المرامي
. تتم الإجابة عنها في التداولية بصيغة تتماشى والطابع المتجدد والجدالي لهذا المبحث اللساني الذي يبدئ الفكر ويعيد في المباحث والمواقف التي ميّزت الأبحاث اللسانية السابقة ، فيبعث بعضها من جديد ، ويطور بعضها الآخر .
وتقر الدراسات المهتمة بالنقد الحديث على أن دراسة المعنى وعلاقته بموقف الكلام ، توجه جديد يحتل قمة اهتمامات التداولية
. وللكلام جوانب كثيرة طالها مجال الدرس التداولي نجملها في : المخاطَبين والمخاطِبين ، وسياق التفوه ، والفعل الإنجازي ، والتفوه بوصفه نتاجا وإنما يمكن لهذا القارئ أن يعيد إنتاج النص بواسطة فعل الفهم والإدراك ، بحيث صارت نظرية التلقي وجهاً من وجوه نظرية الأدب
.
فجمالية التلقي لم تكتف بالاعتماد على الذاتية ومعطياتها ، ولا على قراءة الحدس ، وإنما عمدت إلى إشراك فعل الفهم ، والمقدرة العقلية الواعية ، واستثمار مرجعيات كثيرة ومتنوعة ، والتي من شأنها أن تساهم في إذكاء عملية التفاعل مع بنية النصوص وعبر علاقة حوارية معه ، غرضها إمعان النظر أكثر في ما يعتري القارئ من ردود فعل وقت التلقي، واستقراء كيفية وقوفه بنفسه على حلقات المعرفة وطبقاتها
.
وبهذا فإن جمالية القراءة تهدف إلى دراسة ميكانيزم التلقي بواسطة استثمار مقولات الفلسفات الذاتية والحقول الإجرائية الجديدة في تأسيس علم النص
.هذا النص الذي من مميزاته أنه يقاوم فكرة اختزان معنى ما ، بقطع النظر أنه سطحي أو عميق ، إنما هو نص قائم منذ البداية على تعددية المعنى ، تشكيلا وتلقياً ، وأن تحليله هو نشاط نقدي يستند إلى مفاهيم نظرية متنوعة . أما قواعده فهي إجرائية تنزع إلى تنوع الركائز المنهجية التي يتبناها المحلل ، وهو يؤمن بهذه التعددية ، ويعترف بهذا الانفتاح ليتحاشى بذلك الزعم بالقول الفصل ، أضف إلى هذا كله ، الانفتاح على مداخل أخرى تداولية ، من نفسية واجتماعية وسياقية ...إلخ .
إن المنظرين الأعلام الذين نظّروا لهذا العلم الجديد وأولهم الفيلسوفان
"ج.أوستين"وتلميذه "سيرل، ثم عالم الاجتماع "غوفمان" ، فالمتخصص في دراسة الأعراق "غمبرز" ، فمدرسة "بالوألتو" ذات التوجه النفسي ، و"فيتغنشتاين"... كل هؤلاء كانوا من السباقين الذين ساهموا في إرساء قواعد التداولية ، يركزون على أن موضوع التداولية هو دراسة الظواهر اللغوية أثناء الاستعمال . ويلحون على أنه موكل إليها دراسة القصد الإخباري ، أو معنى الجملة ، ودراسة القصد التواصلي و معنى المتكلم .وأما المقدرة على الإدراك وإنتاج فعل تواصلي ما فتدعى"القدرة التداولية" كما يسميها "كاسبر" 1997Kasper .
وما يمكن أن نستنتجه من كل ما تقدم ، هو أن التداولية قد أولت أهمية بالغة إلى الجانب الاتصالي ، أي دراسة اللغة في علاقتها بمستخدميها
. في حين ظلت الدراسات اللسانية الفارطة تستبعده ، واعتنت فقط بالتراكيب والمعاني . وفي هذا الصدد نعثر في "دليل الناقد" على ما يؤكد هذا الكلام : ÷ وفي الطرح اللساني ، ركزت الذرائعية على ما أهملته اللسانيات . فإذا ركزت اللسانيات على علم التركيب وعلم المعاني ، فإن الذرائعية (...) ركزت على الجانب الاتصالي ، أي علاقة الإشارة بمستخدميها . هذا الجانب ظل مستبعداً دائما من قبل اللسانيين الذين ركزوا أبدا على جوانب القواعد الشكلية وميّزوها عن الاستخدام اليومي العادي (...) . حتى "نعوم تشومسكي" اتبع هذا النهج ، إذ سعى إلى استخلاص موضوع ألسني وعزله عن الاستخدام العام اليومي ، ليكون قابلاً للدرس العملي ، لكن ردود الفعل توالت حديثاً ضد هذا الاستبعاد ، إذ يرى صحاب الذرائعية (أو التبادلية) أن اللغة لا يمكن أن تنعزل عن استخدامها وتنحصر في علمي النحو والمعاني ، بل إن الاتصال يلعب دورا فاعلاً إذا أردنا أن نفهم حقيقة اللغة ×([10]) .
ومن آثار هذه التحول الجديد ، أن برز توجه جديد ، ممثلا في دراسات نقدية مغايرة ، تساير هذه التحول الداعي إلى الاهتمام بدراسة الأدب في علاقته الاتصالية وظروفه السياقية ؛ معلنة في نفس الوقت عن عقم الدراسات اللسانية التي أخرجت هذه العلاقة من دراستها
.
ومن هذه الأعمال على سبيل المثال لا الحصر ، ما قام به
"ستيفن ليفنسون" في مؤلفه الموسوم بـ : "pragmatique" ، والذي يعترف فيه بكل وضوح بأن ÷ نظرية علم المعاني لا تُعيننا كثيراً على فهم اللغة ×([11]) .
وتماشياً مع هذا التطور الطارئ على الدراسات الأدبية الحديثة
÷ فقد ركزت الذرائعية على سمة الأدب الاتصالية انطلاقا من أن الاتصال عموماً لا يكتمل دون أخذ الأدب وسياقه في الاعتبار . كما أن دراسات الأدب لا تكتمل دون الأخذ في الاعتبار توظيف لأدب لمصادر الاتصال المختلفة . إن أبعاد هذا الطرح لا شك مثرية ، فالأدب لم يعد نصاً مغلقا أو بنية شكلية معزولة عن سياقها ، بل إن هذا الاتجاه أعاد إلى الدرس الأدبي الصلة القديمة بين الخطابة والشعرية . ولهذا فإن الدراسة الذرائعية / التبادلية للأدب تسعى إلى اكتشاف التقنيات العلمية في النص (الإيحاء ، والافتراض المسبق ، والإقناع) ، وربطها بالقوى الخارجية في عالم الكاتب والقارئ ، مثل علاقات القوى والتقاليد الثقافية وأنظمة النشر والتوزيع والرقابة ، وهلم جرا . ويبقى التركيز في كل هذا على صلات الاتصال والتفاعل الخاصة والدقيقة الفعلية×([12]) .
وهذا الاستشهاد يسمح لنا بالقول ، إنه إذا كان علم التركيب يهتم بدراسة العلاقة بين العلامات في طار الجملة ، وإذا كان علم الدلالة ديدنه البحث في العلاقة بين العلامات والأشياء
. فإن التداولية في النقد الحديث تدخلت لجبر النقص الملاحظ في كلا العلمين ، بإهمالهما الجانب التواصلي ؛ فأخذت على عاتقها دراسة علاقة العلامات بمستعمليها ، واضعة لمنهجها مفاهيمه الخاصة به ، تلك المفاهيم لم تكن ذات شأن من قَبلُ في فلسفة اللغة ، وفي اللسانيات البنيوية ،ولم تتوصل إلى معالجتها بكيفية حاسمة . ذلك أن اللغة البشرية إنما هي خزان مقاصد ، وينبوع معاني ، ينهل منه الناس لتحقيق أغراضهم ، وقضاء مأربهم ، والإفصاح عن أفكارهم . و لا يتم كل ذلك كله إلا بواسطة آلة التعبير عن المعاني في السياق المناسب ، وإن لم يكن هذا ، فما جدوى اللغة التي نتكلم بها إذا لم تكن حاملة للمعاني ، ومفسّرة لأحوال الناس ، ومفصحة عن مكنوناتهم ، ومحققة لأغراضهم ؟ .
التداولية
: الظهور والمنشأ والتطور :
1 ـ الدراسات اللغوية : من البنيوية إلى التداولية :
مما هو معلوم أن البحوث اللسانية قد انصب اهتمامها على الدراسات اللغوية من جميع جوانبها ، وما تثيره هذا الدراسات من قضايا جوهرية على شاكلة
: أصل اللغة ونشأتها وتطورها ... ولكن الذي غلب على هذه النظريات ، وهي تتناول اللغة بالدراسة والبحث، هو أنها تناولتها في جانبها الصوري الوصفي. كما أن كل دارس قد درس اللغة من وجهة نظر الأدوات المنهجية التي يوظفها في تحليله ذاك . وهذا يفسر طول عمر "المرحلة الوصفية" في القرن المنصرم ، هذا عامل . والعامل الثاني يتمثل في بطء تحول نظرة اللسانيات الشديد من التأمل الوصفي للظواهر اللسانية ، إلى الرؤية التفسيرية لهذه الظواهر .
ولذلك فلا نعجب إذا ما عثرنا على
"الأدوات الوصفية" التي ما يزال بعضهم يستعين بها في الدراسات اللسانية . ولاسيما في وطننا العربي ، الذي عجز عن مسايرة تقدم العلوم اللسانية عند غيرنا من أمم أوربا ، وسيان في ذلك الشق النظري والشق المنهجي .
حينما ظهرت المدرسة البنيوية كان من مبادئها أنها دعت إلى تحليل العمل الإبداعي على أساس أنه آلة لتصنيع الأشكال اللغوية القابلة للتفكيك ، ثم إعادة التركيب والبناء ،
÷فالنص الإبداعي في نظرهم عبارة عن رقعة شطرنج قوامها المداخل المعجمية المرموقة وفق قوانين البنيوية ، أي علائقية ، باعتبار أن مفهوم البنية يقوم أساساً على العلاقات قبل أن يقوم على الكيانات المعزولة ×([13]). وفي زمن لاحق لهذه الدراسة، برز إلى الوجود مصطلح جديد يدعى "التفكيكية"، وهي بمثابة التحليل العلمي للإبداع في جميع مظاهره.
ولقد واكب حركة التفكيك هذه نشوء ما يسمى
"البنيوية التكوينية" ، والتي ألحت على إقحام المكون الاجتماعي في التحليل البنيوي . وكان من نتائج هذه الدعوة أن ظهر ما يعرف بـ : "سوسيولوجيا الأدب" بزعامة "لوسيان قولدمان" ، و"أمبرتو إيكو" وذلك من خلال كتابه "البنية الخفية" والتي يقصد بها "البنية المجتمعية" . وهو أمر لم تكن تعترف به تعاليم البنيوية فيما سبق ، لاعتقاد أصحابها أن هذه البنية تنأى بالناقد عن الآلية الإبداعية . ناهيك من أنه مكون يشوش على الناقد ، ويحُول بينه وبين الوصول إلى المكونات الأساسية للنص ، أي لبنية النص المدروس .
ومع ذلك واصلت البنيوية مدها الذي بلغ منتهاه في تحليل النص الأدبي ، خاصة مع ظهور التوجه البنيوي الذي على في الدعوة إلى التحليل الوصفي ، وتشدد في تطبيق إجراءات المنهج الشكلي
. ومن رواده : غريماس ، جيرار جينيت ، كورتيس، دريدا ... وآخرون .
وبعد هذا كله حل عصر الاتجاه التداولي ، والذي نتوسم فيه أنه من الممكن أن يقدم للنقاد والعاملين في حقل الأدب ، والمتعاملين مع النصوص الأدبية ، أدوات إجرائية ومنهجية تعينهم على أن ينْفذوا إلى أعماق البنية الإبداعية عند المبدع ، كما تُعين المؤلف على أن يبلور نظرة نقدية للنص الذي أبدعه
.ومن هنا تكمن فائدة هذا المنهج في أنه يقدم أدوات جديدة للعمل النقدي الذي يتعامل فيه مع جميع النصوص الإبداعية ، والتركيز على النص "المتحرك" ، أي معاينته أثناء أدائه وظيفته التواصلية .
أن التداولية كمبحث لساني حديث الظهور ـ ذلك أن الاهتمام بالبعد لتداولي للغة ليس منا ببعيد ـ حيث يؤول زمن بروز البحوث المنجزة في إطار السياق الثقافي الغربي ـ باعتباره المرجع الأساس لهذا النوع من الدراسات ـ إلى فترة الثمانينيات
. غير أن هذا لا يمنعنا من القول بأن قبسات هذا المبحث قديمة جدا ، فقد عثر على كلمة "Pragmaticus" (التداولية) عند الإغريق واللاتين، والتي تدل على كلمة "عملي" . بينما الاستعمال الحديث للتداولية Pragmatiqueيعود إلى تأثير الفلسفة الأمريكية "البراغماتية"([14]) . وذلك بعد أن توسع مفهوم البراغماتية ليشمل معاني المحادثات . فمنذ أن نبّه الفيلسوف "شارل موريس" في كتابه "أسس نظرية العلامات" 1983 إلى أن التداولية يجب أن تهتم بدراسة علاقات العلامة بالمؤولين ، مذ ذاك انصب اهتمام التداولية على البعد العملي للمعنى ، أي معنى المحادثة . هذا التنبيه نجم عنه لفت نظار النقاد والباحثين إلى أهمية تفسير المحادثات الواقعة فعلا . واستنادا إلى ذلك ، فقد تم توصيف التداولية بأنها فهم اللغة الطبيعية . وبهذا تم استقلال التداولية عن الفلسفة البراغماتية التي كانت الموجه لمبحث التداولية ، وغدت رافدا فرعيا لنهر اللسانيات الكبير .
لقد شهدت الدراسات التداولية تطورا سريعا في الغرب الأنجلوساكسوني ، ويعزى هذا التقدم إلى جهود الباحثين الذين كان لهم الباع الطويل في هذا التطور
. وذلك ما حصل في بلدان الأراضي المنخفضة والدانمرك والنرويج وبلجيكا . وكان من ثمرات هذا التطور أن تمخض عن ميلاد "الجمعية التداولية العالمية" IPRAالعام 1987 . وفي معترك هذا التطور ، ظلت التداولية ذات وجهة فلسفية توجهها الممارسات الفلسفية . ولكنها ما انفكت تشهد تحولها التدريجي منذ سنوات نحو تشكلها كحقل لساني بالإبقاء على كينونتها العلمية في معالجة المعنى اليومي . وما تجدر إليه ها هنا هو أنه بالرغم مما بذهب إليه الكثير من الباحثين من أن التداولية Pragmatique، والمذهب الذرائعي الفلسفي Pragmatismeمختلفان· إلا أن بعض الباحثين يرى أن المذهب الذرائعي هو أحد مصادر التداولية ، وأصل التسمية يعود إلى منظري السيمياء مثل :"ش.س.بورس"··،"شارل موريس"، "جون ديوي"...([15]).
ونتيجة لذلك يسجل المتتبعون لمسار الدراسات التداولية بأنها سارت في اتجاهين اثنين هما
: الدراسات اللسانية والدراسات الفلسفية . فالدراسات اللسانية استعملت التداولية بوصفها جزء من السيميائية اللسانية ، وليس بعلاقتها بأنظمة العلامات عموماً . ويلاحظ بأن هذا الاتجاه اللساني ما زال ساريا لحد الآن في اللسانيات الأوربية .بينما الدراسات الفلسفية ، وبالأخص في إطار الفلسفة التحليلية ، فقد خضع مصطلح التداولية إلى عملية تضييق في مجاله . فها هو الفيلسوف "كارناب" يساوي بين التداولية والسيمياء الوصفية ، بيد أن هذه البحوث التي استندت إلى هذا الفيلسوف قد اعتراها التوسع لتشمل دراسات من خارج اللسانيات ، نذكر منها : دراسات فرويد ، ويونغ عن "زلات اللسان" و"تداعي الكلمات" . ذلك أن التطور الحاصل في نظرة "كارناب" بيّن مدى أهمية وضع قيمة زمان ومكان الحدث الكلامي في الحسبان ، علاوة على دراسة اللغة المستعملة . ولهذا كان من المناسب جداً أن يتغلغل إلى تعريف "كارناب" لتداولية مفهوم "السياق" . هذا السياق الذي ينطوي على هويات المشاركين في الحدث الكلامي ، ومقاصدهم منه ، والمحددات الزمانية والمكانية ، والمعتقدات . وكذلك من جهته فقد ساهم تعريف "موريس" للتداولية في النهوض بمجموعة من الدراسات شملت دراسة الظواهر النفسية والاجتماعية الموجودة داخل أنظمة العلامات بشكل عام ، أو داخل اللغة بشكل خاص . ودراسة التصورات التجريدية التي تشير إلى الفاعلين ، وكذا دراسة المفردات التأشيرية·.
واستنادا إلى ما قيل عن هذا المنهج الجديد ، تشير الدراسات إلى أن ظهور التداولية كمنهج ونظرية ، يعود الفضل فيه إلى الفيلسوف الإنجليزي
"ج.أوستن" ، بصدور مؤلفه "كيف نصنع الأشياء بالكلمات"، واصفا التداولية بأنها: ÷ جزء من دراسة أعم : هي دراسة التعامل اللغوي من حيث هي جزء من التعامل الاجتماعي ×([16]). فإذا ما نحن تقفينا الأثر ، ودققنا النظر في التعريف الأوستيني ، نستشف أن هذا الفيلسوف يروم نقل دراسة اللغة من النظر إليها من جانبها اللغوي والنحوي والنفسي لها ، إلى المستوى الاجتماعي ، ودائرة التأثير والتأثر من خلال استعمال اللغة لتحقيق التواصل . الأمر الذي أدى إلى نشوء جملة من التيارات في إطار دراسة التعامل اللغوي أهمها ÷ التيار الأوستيني أو البراغماتية عند استعمال اللغة ×([17])، ويُعدّ "غرايس"Griceأحد أبرع أعلام هذا التيار .

2 ـ الأصول الفلسفية للتداولية :
لقد سبق لي وأن قلت بأن
"وستين" (1911 ـ 1961) وتلميذه "سيرل" (1932) ، هما اللذان أحرزا قصب السبق في وضع أساس بناء التداولية في الحقل الفلسفي ، وخاصة في فلسفة اللغة المستعملة (العادية) . فهما اللذان ابتكرا متصور "العمل اللغوي" انطلاقاً من نظرة المنطق التحليلي ، الذي يوافق طبيعة اختصاصهما . ففي فترة الستينيات أولى الفلاسفة كبير عناية في دراساتهم الأدبية إلى التأثيرات الجملية للخطاب ، في حين نجد "أوستين" ـ آنذاك ـ كان أول من بعث نظرية "الأعمال اللغوية" .
وما ينبغي ذكره في هذا المجال ، هو أن اهتمام الفلسفة باللغة واقع منذ أمد بعيد ، الأمر الذي جعل كثيرا من النقاد يعتبرون البلاغيين القدماء أقرب من غرهم إلى المنهج التداولي ، لأن اهتمامهم انصب في حقل البلاغة على البحث في العلائق القائمة بين اللغة والمنطق ، وبالتحديد دراسة اللغة الحجاجية وتأثيرات الخطاب في السامعين
.
وهذا بالفعل ما تتسم به البلاغة منذ القديم بدء بـ
"أفلاطون"و"أرسطو" ، وصولاً إلى "سِناك" و"شيشرون" و"كونتليان" . إذ كان هدف البلاغة قائما على معرفة "الانفعالات"و"الأهواء" . من ذلك ما نجده عند "أرسطو" ، مثلا ، حينما حاول التفريق بين نمطين من الخطاب ، فدعا أحدهما "الخطاب الجدلي" الذي يتوجه إلى شخص واحد مجرد ، ويختزل في وضعية السنن اللساني . وسمى الثاني "القول الخطبي" والذي يتوجه إلى مخاطب واقعي يتمتع بموهبة الجدل والمنافحة ، ويمتلك أهواء وعادات ثقافية . ثم عمد إلى الأقوال الخطابية هذه فقسمها إلى ثلاثة أجناس بحسب معيار العلاقة بين القول والمستمع بغض النظر عن مضمونه، وهي :
1
ـ جنس مشاجري
: وهو الجنس الذي يعرّف بكونه يتضمن أحكاماً على الأعمال المنقضية .
2
ـ جنس منافري
: يدين أو يرفع شأن الأعمال التي تكون بصدد الوقوع .
3
ـ جنس مشاوري
: يقترح حلولاً يبقى تحققها رهين الإمكان إذ جهتها استقبالية أساساً .
والذي دفعني لأن أذكر كل هذه الأعمال اللغوية المميزة ، لأنها هي التي كانت محل اشتغال كل من
"أوستين"و"سيرل" .
فالخطابة عند
"أرسطو" أداة مقالية للتأثير تتجلى في الخطاب ، في حين هي عند "أفلاطون" وسيلة واقية ذات هدف أخلاقي . والخطيب الحاذق في نظر "أرسطو" هو ذاك الذي يتمثل الحضور النقدي للسامع ، حتى وإن توارى ذلك الحضور وراء حوار باطني ، وقد تسرّب هذا الفهم للحوار إلى التداولية الحديثة .
ولقد ظل المنهج النقدي الأرسطي في الخطابة أو المنطق مسيطراً حينا من الدهر على الفكر الغربي إلى غاية التاسع عشر ، بل وتواصل تأثيره في الدراسات اللسانية إلى يومنا هذا
. بدليل أننا قد نعثر على إحالات كثيرة على "أرسطو" في مقاربة اللغة والكلام والنصوص التي صدرت عن المدرسة الفرنسية خاصة ، إذ نجد أن في الكثير من دراساتها تعتمد على المنهج الاستنتاجي ، وهو نهج منطقي هيمن بواسطة طرائقه الشكلية والمعيارية .
وبهذا فقد غدت الخطابة عند
"أرسطو" الدعامة الأساسية للنظرية النقدية في الأدب والنقد المسماة "الشكلانية" . والتي تعتبر الفن نتاج التطبيق الصارم للطرائق الشكلية ، وهو ينزع إلى نوع من الشعرية التي أسسها "جاكبسون" . وقد عادت التداولية بعد فوات مرحلة مؤسسيْها "أوستين"و"سيرل" إلى التحليل الحجاجي خاصة مع لسانيين فرنسيين على شاكلة : "أزفالد ديكرو" ، و"كربرات أوركيوني" .
إن الحديث عن
"النظرية التواصلية" يفرض علينا أن نذكر مؤسسها البارز"فان ديجك" ، الذي ÷ وضع تخطيطا من ناحية البرنامج للذرائعية الأدبية بوصفها مكملا لا فكاك عنه نظرية النص ×([18]) . ومنذ العام 1975 يعتري تحول على توجه "ديجك" ، إذ تحول عن علم الدلالة إلى نظرية أدبية عامة ÷ تشتمل على نظرية للنصوص الأدبية ونظرية للتواصل الأدبي ×([19]) . ومنذ ذلك الوقت تغيرت الرؤية إلى أدبية النص ، فبعدما كان ÷ الاعتراف بما هو أدبي يتحقق بواسطة الخصائص البنيوية وجملة الملامح اللفظية ، أصبحت الأدبية تتحدد من خلال الاعتراف بإنتاج معين وخاص ، واستقبال خاص أيضاً ×([20]) . وعليه فقد تدرجت التداولية في مدارج التطور إلى أن ÷ أصبحت في مراحل متأخرة جدا نظرية للسياقات ، تبحث في سياق الإنتاج والاستقبال ، ثم إلى نظرية في الأفعال الكلامية ×([21]) ، وقد تكون هناك مراحل أخرى ستعرفها التداولية مستقبلا .

·
عالم أمريكي ، حاصل على شهادات عليا في الكيمياء والفيزياء والرياضيات
. عمل سنة 1860 في مصلحة "الجيوديزيا"(علم من علوم الأرض) . درّس بجامعة هارفارد ، ثم بجامعة هوبكينز. ورغم علمه الكبير وشهاداته العليا ، لم يحصل على منصب قار في الجامعات التي عمل بها ! بسبب مواقفه ومزاجه الصعب . فعرف الجوع والفقر وخيبات الأمل ، واضطر إلى بيع مكتبته القديمة التي كان يعتز بها كثيرا (حوالي 295 كتابا) باعها بثمن بخس (550 دولارا فقط !) . وبعد وفاته ينعت "بورس" بأنه أكثر فلاسفة أمريكا المعاصرين علما ! .

المصادر:

[1]
ـ سماح رافع ، المذاهب الفكرية المعاصرة ، ص
49 ـ 52 .

··
ج
. أوستين (1911ـ1960) : فيلسوف إنجليزي ، شغل منصب أستاذ في فلسفة الأخلاق بجامعة أكسفورد . ويعتبر المؤسس الأول لتداولية أفعال الكلام ، هذه النظرية حولت نظرة الدراسات اللسانية السابقة . كتابه الوحيد الذي نشره له تلامذته، ومنهم "ج . سيرل" بعد وفاته هو : كيف نصنع الأشياء بالكلمات ؟ (How to do things with words?) ويشتمل على جملة من المحاضرات التي ألقاها على طلبته في جامعة أكسفورد والجامعات الأمريكية .

[2]
ـ مسعود صحراوي ، التداولية عند العلماء العرب دراسة تداولية لظاهرة
"الأفعال الكلامية" في التراث اللساني العربي ، دار الطليعة للطباعة والنشر ، بيروت، لبنان ، ط2005 ،ص 05.

[3]
ـ مسعود صحراوي ، التداولية عند العلماء العرب، مرجع سابق ، ص
16 .

[4]
ـ حسن يوسفي ، مقالة بعنوان
: المسرح والتداولية .

·
ك
.ك.أوركيوني ابتدأ مشوارها العلمي من دراستها في مدرسة دار المعلمين العليا ، ثم شغلت منصب أستاذة مبرزة . تحصلت على شهادة الدكتوراه في اللسانيات . شغلت منصب أستاذة بجامعة ليون الفرنسية . من كتبها : L'implicite,Les interactions verbales , La connotation …. .


[5]
ـ
Armengaud Françoise , La pragmatique que – sais – je ? PUF , 1985 , P 09 .


[6]
ـ
IBID . P 09 – 10 .

[7]
ـ على آيت أوشان ، السياق والنص الشعري من البنية إلى القراءة، مطبعة النجاح الجديدة ، الدار البيضاء ، المغرب ، ط
1ـ1421هـ /2000، ص 56 ـ 57 .

[8]
ـ تكامل المعارف
: اللسانيات والمنطق ، حوار مع د/طه عبد الرحمن ، دراسات سيميائية لسانية أدبية ، العدد الثاني ، 1987 ـ 1988 ، المغرب .

[9]
ـ مجلة الوصل ، معهد اللغة والأدب العربي ، جامعة تلمسان ، العدد الأول، جانفي
1994 ، نظرية المقاصد بين حازم ونظرية الأفعال اللغوية المعاصرة ، محمد أديوان ، جامعة الرباط ، كلية الآداب ، ص 25 .

·
جون سيرل
: فيلسوف أمريكي معاصر ، وهو أحد مؤسسي التداولية ، ينتمي إلى تيار الفلسفة الحديثة التي طورها "أوستين" ، درس بجامعة كاليفورنيا . ويطمح إلى تصحيح الكثير من المفاهيم السابقة من مؤلفاته : Les actes de parole indirects , Sens et expression و "العقل واللغة والمجتمع : الفلسفة في العام الواقعي" تر : سعيد الغانمي . "أفعال الكلام" ، "التعبير والمعنى" ، "القصدية" .

[10]
ـ ميجان الرويلي وسعد البازعي ، دليل الناقد الأدبي ، المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء ، المغرب ، ط
3/2000 ، ص 169 .

[11]
ـ م ن ، ص ن
.

[12]
ـ ميجان الرويلي وسعد البازعي ، دليل الناقد الأدبي ، م س ، ص
169 .

[13]
ـ محمد الحناش ، الأساس المعرفي لمنظومة الإبداع
(مقاربة لسانية ـ تداولية) ، مجلة التواصل اللساني ، المجلد العاشر ، العددان 1 ـ 2 / 2001 ، ص 73 ـ 97 .

[14]
ـ عادل الثامري ، التداولية واللسانيات ، مجلة دروب مقال في
19 /5/ 2006 . الموقع على الإنترنت www.doroob.com .

·
التداولية
: ترجمة للمصطلحين : الإنجليزي Pragmaticsبمعنى هذا الذهب اللغوي ، التواصلي الجديد... والمصطلح الفرنسي La Pragmatique بنفس المعنى . وليس ترجمة لمصطلح Le Pragmatisme الفرنسي . لأن هذا الأخير يعني "الفلسفة النفعية الذرائعية" . أم الأول فيراد به هذا العلم التواصلي الجديد الذي يفسر كثرا من الظواهر اللغوية كما أشرنا . ولذلك لا نتفق مع الباحثين العرب الذين ترجموا مصطلح La Pragmatique / Pragmatics بـ : "الذرائعية" أو غيرها من المصطلحات المتحاقلة معها . عن م. صحراوي ، التداولية عند العلماء العرب، م س ، الهامش ، ص 15 .

··
اسم
Peirce يكتب وينطق بالعربية "بورس". جاء هذا التوضيح في كتاب"السيميائيات والتأويل مدخل لسيميائيات ش.س.بورس" لـ سعيد بنكراد ص 11، وكتب أخرى مدونة على ص 11 و 12 من نفس الكتاب .

[15]
ـ ينظر
: د/ميجان الرويلي ود/سعد البازعي ، في : دليل الناقد الأدبي ، م س ، ص 167 .

·
الإشاريات
Déictiques : وهي الحركات التي تدل بواسطتها على شيء ، موضوع ما .وهذه الحركة لها علاقة حقيقية بالموضوع الشيء . وهي تشكل جزء من المرجعيات Deixis ، لأنها لا تشير إلا بوجود مرجع ما .

[16]
ـ فرانسواز أرمينكو ، المقاربة التداولية ، ترجمة
: سعيد علوش ، مركز الإنماء القومي ، ص 96 .

[17]
ـ م ن ص
98 .

[18]
ـ خوسيه ماريا بوثويلو إيقانكوس ، ترجمة حامد أبو حمد ، مكتبة غريب ، سلسلة الدراسات النقدية ، القاهرة ، ص
76 .

[19]
ـ م ن ، ص ن
.

[20]
ـ راضية خفيف بوبكري ، التداولية وتحليل الخطاب الأدبي مقاربة نظرية ، مجلة الموقف الأدبي ، شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق ، العدد
399 تموز/2004 ، ص 6 .

[21]
ـ م ن ، ص ن
.


منقول



















































الدلالة في تعريفات العلماء المحدثين: المصطلح والأبعاد) أو الماهية والمشروع):

لقد حدث تطور كبير في مفاهيم المصطلحات القديمة في العصر الحديث، واتخذت أبعاداً أخرجتها من تلك الدراسة
"الأولية" ووسعت مجال البحث فيها، ومصطلح "الدلالة" هو من ضمن تلك المصطلحات التي تبلورت مفاهيمها في العصر الحديث وشملت الدراسة فيها ميادين عدة من حياة الناس، بل أضحت ملتقى لاهتمامات كثير من المعارف الإنسانية الحديثة، بدءاً بعلم النفس ثم علم الاجتماع والمنطق وعلوم الاتصال والإشارة. وإن هذه الصورة التي برز فيها علم الدلالة كأساس لعدة معارف حديثة هي نتاج للدراسة اللغوية المتخصصة ذلك "أن معالجة قضايا الدلالة بمفهوم العلم، وبمناهج بحثه الخاصة وعلى أيدي لغويين متخصصين إنما تعد ثمرة من ثمرات الدراسات اللغوية الحديثة."(1)‏

وتبعاً لاتساع مجالات البحث الدلالي الحديث، فلم تعد الدلالة حكراً على النظام اللغوي وحسب، وإنما شملتها أنظمة سيميولوجية أزاحت الهيمنة اللغوية بل صارت معها في البحث جنباً إلى جنب، ومع ذلك بقيت اللغة إحدى أنجع وسائل نظام الإبلاغ والتواصل والخطاب، وأقدرها على الإطلاق على التجديد والتطور والتكيف بل لا مندوحة من القول أن الأنظمة السيميولوجية التي تتخذ العلامة المطلقة كمدخل أساسي لأي مستوى من مستويات الدراسة الدلالية، لا تستغني في الأحوال الغالبة عن اللغة خاصة على مستوى القراءة التعليلية التبيينية
.‏

ومقاربة لماهية الدلالة وحقولها الدراسية في العصر الحديث، عجنا نسائل البحث الدلالي عند لفيف من اللغويين وذلك بقصد رسم إطار بين تتضح من خلاله معالم الدرس الدلالي الحديث إن على مستوى الماهية والمصطلح وما أفرزه من تفريعات زادت من توسيع دائرة البحث الدلالي، أو على مستوى الأبعاد والمشروع الذي تأسس بناء على اختلاف الرؤى والأهداف بين مجموع المشتغلين في حقل البحث الدلالي والسيميولوجي العام
." يرمي [هذا المشروع السيميولوجي] من وجهة نظر "إينو" إلى تأسيس وعي بنيوي للاستقراء الدلالي."(2) ولأن حلقة تأسيس الدرس الدلالي لم تكتمل دائرتها بعد، اقتصرنا في مساءلتنا لمعالم البحث الدلالي الحديث على بعض اللغويين الذين بدأت معهم عملية التأسيس والتشكيل والتقعيد، وبعض المشتغلين في حقول النقد والأدب حيث غدا عندهم الدرس الدلالي السيميائي أحد أهم المناهج النقدية الحديثة.‏

أ
-ماهية الدلالة بين الوصفية والمعيارية:‏

بدأ البحث الدلالي في العصر الحديث بمنهج وصفي يعاين جزئيات الظاهرة اللغوية معاينة وصفية تعتمد طريقة الملاحظة والتحليل فالاستنتاج
. وهي طريقة تعد امتداداً "لمنهج" البحث اللغوي القديم. ثم ارتقى الدرس الدلالي إلى مرحلة محاولة التنظير والتقعيد، فغدا يعتمد على المنهج المعياري وذلك لنزوع الباحثين اللغويين نحو تشكيل معالم مشروع دلالي بدءاً ببلورة جهود السابقين في ميدان البحوث اللغوية المختلفة، وارتقاء إلى "بناء هيكل نظري ينظم الركام الذي هو هيئة المعلومات السابقة، وبهذا تغدو الدراسة مقدمة لتاليات لها فيدفع العلم خطوات إلى حقول جديدة".(3) هذا الاندفاع نحو بناء وعي دلالي يساهم في تشكيله علماء محدثون تعددت رؤاهم وتكاملت جهودهم التي عكفوا من خلالها على إبراز اللغة بمفهومها العام، نظاماً لتحقيق التواصل والإبلاغ فبحثوا جزئياتها وغاصوا في عوالمها مستعينين في سبيل ذلك بعلوم أخرى، فتوسعت مجالات البحث اللغوي وغدا المبحث الدلالي ملتقى لعلوم إنسانية واجتماعية وأدى ذلك إلى تنوع الدراسات، وإذا رمنا حصر العلماء الذين ساهموا في تشكيل معالم الدرس الدلالي والسميولوجي الحديث فإنه يعجزنا ذلك.‏

وقصدا إلى تقديم صورة لماهية الدلالة في العصر الحديث استجمعنا آراء للفيف من اللغويين والمشتغلين في حقل الأدب والنقد
.‏

لقد أعلن بريال ميلاد علم يختص بجانب المعنى في اللغة وهو علم الدلالة الذي أتى ليسد تلك الثغرة في الدراسات اللغوية التي كانت تهتم بشكل الكلمات ومادتها، أما دراسة المعنى فيها فتمثل الجانب الهزيل قال بريال
: "إن الدراسة التي ندعو إليها القارئ هي من نوع حديث للغاية بحيث لم تسم بعد، نعم، لقد اهتم معظم اللسانين بجسم وشكل الكلمات وما انتبهوا قط إلى القوانين التي تنظم تغيّر المعاني وانتقاء العبارات الجديدة والوقوف على تاريخ ميلادها ووفاتها. وبما أن هذه الدراسة تستحق اسماً خاصاً بها فإننا نطلق عليها اسم semantique) للدلالة على علم المعاني(4) " فعلم الدلالة- عند العالم بريال- يعني بتلك القوانين التي تشرف على تغير المعاني، ويُعاين الجانب التطوري للألفاظ اللغوية ودلالاتها، ويكون بريال بذلك أول من وجه الاهتمام إلى دراسة المعاني ذاتها، لكن أهمية التفاتة بريال إلى جوهر الكلمات لم تقدر حق قدرها قبل محاولة الانجليزيين أوجدن C.K.Orgdon) وريتشاردز I.A.Richards) اللذين أحدثا ضجة في الدراسة اللغوية بإصدار كتابهما عام 1923 تحت اسم "معنى المعنى" وفيه تساءل العالمان عن ماهية المعنى من حيث هو عمل ناتج عن اتحاد وجهي الدلالة أي الدال والمدلول(5) . وأضحى علم الدلالة ابتداء من ذلك يهتم بالصورة المفهومية، باعتبار أن لا علاقة مباشرة بين الاسم ومسماه، إنما العلاقة المباشرة تربط الدال بالمحتوى الفكري الذي في الذهن يقول مازن الوعر في هذا الصدد في تقديمه لكتاب "علم الدلالة" لبيار جيرو: "إذا كانت الصوتيات واللغويات تدرسان البنى التعبيرية وإمكانية حدوثها في اللغة، فإن الدلاليات تدرس المعاني التي يمكن أن يعبر عنها من خلال البنى الصوتية والتركيبية"(6) .‏

ويوضح سالم شاكر أكثر فيقول
: "إن علم الدلالة يعني بظواهر مجردة هي الصورة المفهومية"(7) . ونزع علم الدلالة في العصر الحديث إلى تمثل المنهج الوصفي في بعض مراحل الدراسة خاصة فيما يتعلق برصد تطور الدلالة وتغيرها وبناء الحقول الدلالية يقول ميشال زكريا: "أما علم الدلالات فهو مستوى من مستويات الوصف اللغوي، ويتناول كل ما يتعلق بالدلالة أو بالمعنى فيبحث مثلاً في تطور معنى الكلمة ويقارن بين الحقول الدلالية المختلفة".(8)‏

إن المجال الواسع الذي حظيت به الدراسات الدلالية الحديثة، يرجع بالأساس إلى تلك الأطر المميزة التي رسمها العالمان أوجدن وريشاردز وبعدهما بريال، ومع تقدم الدراسة بدأت البحوث الدلالية تشهد عقبات تكمن صعوبتها في استحالة حصرها، وتحديدها من ذلك أن عكف الدرس الدلالي الحديث على البحث في ماهية الصورة المفهومية، بحيث استحال معها الإحاطة بكل ما يشكل عالم المتكلم حتى يمكن فهم وإدراك المحتوى الفكري المجرد
. يقول كولردج) محدداً مجال البحث الجديد لعلم الدلالة: "ولا يتضمن معنى اللفظة في رأيي مجرد الموضوع الذي يقابلها، بل يشمل أيضاً جميع الارتباطات التي تبعثها اللفظة في أذهاننا فطبيعة اللغة لا تمكنها من نقل الموضوع فحسب، وإنما تجعلها أيضاً تنقل شخصية المتكلم الذي يعرض الموضوع ونواياه".(9)‏

إن الحديث عن البنى العميقة التي تتحكم في إنتاج الدلالة من وجهة نظر مجردة، يبقى بعيد المرام، ولذلك فإن جل علماء الدلالة والسيمياء المحدثين يركزون أبحاثهم أكثر، على ما يحيط عملية تأدية الدلالة من ظواهر منطقية نفسية
. يقول بيار جيرو موضحاً ذلك: "ويبقى علم الدلالة بالنسبة لبريال واتباعه متجهاً نحو السمات المنطقية، النفسية والتاريخية للظواهر أكثر من اتجاهه نحو عللها اللسانية".(10)‏

لقد خطا العالمان كاتر وفودر بالبحث الدلالي خطوة بعيدة إذ تناولاه من ناحية تفاعل مركبات الحدث الكلامي، بل إنهما طرحا إشكالية أساسية تتمحور حول تخصيص العلاقة التي يمكن إقامتها بين صورة الجملة ودلالتها في لغة معينة في غياب النحو، إذ قد تصل العملية التواصلية التي تضطلع بأمر نقل الدلالة إلى مستوى من التعقيد لا يمكن للنحو أن يشرح فيه ذلك، لأن السيمانتيك من وجهة نظر هذين العالمين يتناول قدرة المتكلم على إرسال وفهم الجمل الجديدة في ميدان يعجز عن شرحها النحو
(11) . إن الأبعاد التي اتخذها البحث الدلالي الحديث عبر دراسات معمقة، أخرجت النظريات الدلالية والفرضيات العلمية اللسانية من مجال التخمين والتقدير إلى ميدان التحقيق والتطبيق، رسمت إطاراً مفتوحاً على المستقبل لمشروع دلالي أوسع يلج من خلال الدرس السيمائي إلى كل مجال من مجالات المعرفة والبحث العلمي، ويكفي أن نتأمل كتب أ.ج. غريماس) مثل كتاب "علم الدلالة البنيوي" 1966، "السيميوتيكا والعلوم الاجتماعية" 1976، "في المعنى" 1970، لندرك المصاف الذي بلغه علم الدلالة بعد ما كان علماً يفتقد إلى المنهج والموضوع معاً، إذ كان منشأه في إطار علم الألسنية العام.‏

يحتل اسم غريماس
) مكاناً علياً ضمن الباحثين في الحقل الدلالي الحديث ويرجع ذلك إلى قدرته على تحقيق الرؤية في قراءاته النقدية للخطاب الأدبي، الشعري والنثري. لقد تجاوز غريماس المعطى الدلالي، الآني مفترضاً وجود معطى ممكن تتجلى فيه العوالم الدلالية التي تتمظهر في بنى دلالية، وعلى أساس وجود هذه العوالم يتم تنظير البنيات الدلالية والكشف عن آلياتها، وقد يطرح العالم الدلالي فرضية وجود البينة الدلالية والعوالم الدلالية فيقول: "يجب أن نفهم بالبنية الدلالية ذلك الشكل العام لنظام العوالم الدلالية- المعطى، أو الممكن، ذي الطبيعة الاجتماعية والفردية ثقافات أو أفراد) والسؤال عما إذا كانت البينة الدلالية ماثلة في عالم الدلالة أو تحضن هذا العالم"(12) . إن احتواء العوالم الدلالية في بناء من صنع ألسني للتعبير عنها يفترض وجود مشاكلة بين مستوى التعبير ومكوناته ومستوى المعنى وسماته"(13) . ذلك أن عالم المعنى يتمظهر في التلفظ articulation ويتموقع في البنى التعبيرية يوضح غريماس ذلك بقوله: "إن فرضية المشاكلة بين المستويين تسمح إذن بالنظر إلى بنية المعنى وكأنها تلفظ لعالم الدلالة حسب وحداته المعنوية الصغرى [أي السمات] وما يقابلها من سمات مميزة على مستوى التعبير، هذه الوحدات الدلالية مكونة بالطريقة نفسها المكونة بها سمات التعبير، من فئات سمات ثنائية"(14)‏

على الرغم من تباين آراء علماء الدلالة حول جوهر العملية الدلالية، فإن البحث الدلالي أخذ مسارات جديدة بعد وقوع التأكيد على أن اللغة هي نظام تتظافر فيه جملة من الأنظمة الفرعية كنظام البنى التركيبية، ونظام البنى المعجمية، والبنى الصوتية، والبنى الدلالية، ضمن نسق محكم أطلق عليه العلماء مصطلح النحو الكلي
Universal Grammar)، واتجه الباحثون إلى الكشف عن هذا النسق وتحديد معالمه وسماته، وهذه مرحلة مهمة ارتقى إليها البحث الدلالي حيث "يلاحظ تشومسكي أن ما طبع البحث اللغوي في السنوات الأخيرة- هو تحول من العناية باللغة إلى العناية بالنحو، وهو تحول من تجميع العينات وتنظيمها أو دراسة لغة خاصة أو الخصائص العامة لكثير من اللغات أو كل اللغات إلى دراسة الأنساق التي توجد فعلاً في الدماغ وتساهم في تفسير الظواهر الملاحظة"(15) . وقد أسهمت فكرة تشومسكي في توليد جملة من الأفكار طُرحت كاستفهامات تقتضي أجوبة ولو على وجه الافتراض، من ذلك السؤال حول كيف تنتظم اللغة كجملة من البنى في شكل أنساق نظرية داخل الدماغ؟ إن وجود هذه الأنساق داخل الدماغ يترتب عليه الكشف عن المعرفة اللغوية الباطنية لمتكلم اللغة وضمنها الاهتمام بالجهاز الداخلي الذهني للمتكلمين عوض الاهتمام بسلوكهم الفعلي، وأقصى ما وصلت إليه البحوث اللغوية الدلالية هو بروز نموذج جديد للتفكير في نظام اللغة، المركب من أنساق مختلفة بحيث بزغ زمن التركيب مع نظرية تشومسكي(16) في النحو التوليدي التي تقوم على أساس تحليل السلسلة الكلامية إلى وحدات من الرموز، لتعيد تشكيل ليس السلسلة الكلامية وحسب بل سلاسل كلامية لا متناهية، وذلك إشارة إلى أن الدماغ البشري مركب فيه قواعد إنتاج لأحداث كلامية سليمة في التركيب والدلالة معاً، وعلى الرغم من أن تشومسكي قد أغفل في بحوثه الأولى النسق الدلالي إلا أنه تدارك ذلك، خاصة بعد تلك الإسهامات التي تقدم بها العالمان كاتر وفودور، وأعاد الاعتبار إلى الوظيفة الدلالية للتركيب، وعدّل في رسمه البياني الذي تناول فيه السمات البنيوية التي تتألف منها الجملة، مضيفاً المكون الدلالي وإن كانت البنية الدلالية محتواة في ما سماه تشومسكي "بالسلاسل المعقدة" وتوضيح ذلك فيما يلي:‏

الرسم قبل التعديل
:(17)‏



قواعد مركبية‏




تحولات إجبارية‏




مكون تركيبي سلاسل نووية‏




تحولات اختيارية‏




سلاسل معقدة‏




قواعد صوتية‏


مكون صوتي‏


تمثيل صوتي‏


ما يلاحظ هو غياب المكون الدلالي في الرسم البياني، إلا أن هناك مرحلة مهمة تقع بين المكون التركيبي والمكون الصوتي وهو ما سيغير فيه تشومسكي في الرسم الثاني وذلك بتحليله للسلاسل المعقدة
.‏

الرسم بعد التعديل
:(18)‏

مكون تركيبي
1- قواعد مقولية قاعد الاسقاط تمثيلات دلالية‏

قاعدة
2- معجم قواعد معجمية) بنية عميقة‏



بنية عميقة‏


قواعد تحويليلة أحادية‏




مكوّن بنية سطحية‏


صوتي‏


قواعد صوتية‏




ما يلاحظ هو بروز البنية العميقة والبنية السطحية ولعل ذلك ما خول تشومسكي إضافة الحلقة المفقودة في الرسم الأول، ونعني بها، المكون الدلالي، إذ البنية العميقة هي التي تنطوي على التمثيل الدلالي الذي يتحول إلى بنية سطحية وفق قواعد التحويل متشكلاً في تمثيل صوتي
.‏

وغدا المبحث الدلالي، واسع الأرجاء بحيث انكب الدارسون يتناولون جانباً واحداً من جوانبه، فيبدو عميقاً متشعباً فمن ذلك أن اهتدوا إلى وضع قواعد سلامة التركيب، وسلامة الدلالة، مستوحين ذلك من قواعد الإسقاط التي وضعها تشومسكي، فلكي يؤدي التركيب الدلالة المعنية، وجب أن يكون سليماً في عناصره، وكذلك الشأن لسلامة الدلالة وهو ما يوضحه الرسم البياني التالي
:(19)‏



معجم قواعد سلامة قواعد سلامة الدلالة‏






بنى تركيبية قواعد الإسقاط بنى دلالية‏




وبعد تخصيص الدلالة في التركيب اللغوي، توسعت الدلالة لتشمل ما هو لغوي وغير لغوي من الرموز والإشارات والسمات، وهو ما انبنى عنه ميلاد السيميولوجيا كمنهج جديد في دراسة الدلالة بحيث لم تعد اللغة المحتكر الوحيد في البحث، إنما برزت أنظمة إبلاغية أخرى أهمها النظام الإشاري
: "فالسيميولوجية [كما تقول كريستيفا] هي لحظة التفكير في قوانين التدليل دون أن تبقى أسيرة اللغة التواصلية التي تخلو من مكان الذات"(20) . إذن هناك وسائل اتصال- واللغة إحداها- تستدعي دراسة في ماهيتها وعلاقاتها وكيفية حدوثها ثم القوانين التي تنتظمها كما قال الدكتور فيدوج: "إنتاج الإعلام عبر إشارات هو الموضوع الأساسي لعلم السيميولوجية الذي هو بحث في ماهية هذه الإشارات وعلتها وكيفية حدوثها أو إنتاجها ووظيفتها والقوانين التي تتحكم بها"(21) . إن الاطلاع على القواعد العامة التي تتحكم في حياة الدلائل، يسمح بوضح أسس لمشروع سيميولوجي يعنى بمعاينة إنتاج الدلالة ويحدد طرق وقواعد ذلك كما يبيّنه الكاتب فيدوج بقوله: "والسيميولوجية منهج يهتم بدراسة حياة الدلائل داخل الحياة الاجتماعية ويحيلنا إلى معرفة كنه هذه الدلائل وعلتها وكينونتها ومجمل القوانين التي تحكمها، ويعمل من جهة على دراستها بكل أبعادها واستعمالاتها وتعقيداتها دراسة شاملة وعامة لكل مظاهرها العلامية لأن ذلك يشكل جوهر ما يندرج ضمن أهدافها وغاياتها ومطامحها في تحقيق المشروع السيميولوجي.(22)‏

إن هذا التحديد المسهب لعلم السيمياء جعله يحتل مكانه المؤثر ضمن المنظومة الاجتماعية، إذ أضحى يشمل الإشارات الدالة اللغوية وغير اللغوية وتشترك جميعها في أدائها للقيمة الدلالية وفق شروط عامة
.‏

في بحوثه حول فعالية الكلام والكتابة، ميّز رومان جاكبسون
) بين عدة نظم تواصلية تتوزع في إطارين:‏

الإطار الأول
: نظم لسانية تستخدم التراكيب اللغوية للتواصل والإبلاغ.‏

والإطار الثاني
: نظم سيمولوجية مستقلة نسبياً، عن النظام الألسني.‏

ثم ميز في النظم اللسانية بين اللغة المنطوقة واللغة المكتوبة، والذي يوضحها ذلك التمايز التاريخي الذي أشار إليه اللغويون في بحوثهم حول الصوت والحرف وتمييزهم بين السامع والقارئ وبالتالي بين فعالية الكلام وفعالية الكتابة، وخلص إلى أن الكتابة تبقى الأداة الأكثر فعالية في الخطاب التواصلي والإبلاغي كونها تضمن استمرارية ومنفذ إلى المتلقي مهما تباعد المكان والزمان
.(23)‏

لقد تطور البحث الدلالي تطوراً سريعاً منذ عهد بريال ودسوسير، حتى غدا فيه التنوع والاختلاف بين العلماء سمة مميزة وذلك لإغراقه في بحث المجرد، ولاتساع مساحة الدرس وظهور نظم جديدة زاحمت النظام اللغوي
"إذ لم تعد اللغة إلا مجرد نقطة في فضاء رحيب تهيمن عليه امبراطورية السمات"(24) . وأضحى النموذج السيميولوجي أحد النماذج الأكثر حضوراً في القراءات النقدية الأدبية باعتبار النص شبكة من العلامات الدالة، وإن أهم مظهر تطوري بدا عليه علم الدلالة ضمن السيميولوجية الحديثة هو اقترانه بالتفكير الفلسفي "ويعتبر موريس من الذين قدموا نموذجاً سيميولوجياً فلسفياً بحيث استطاع أن يميز بين الأبعاد الدلالية والأبعاد التركيبية والأبعاد الوظيفية للإشارة. فطبقاً لرأيه فإن العلاقة بين الإشارة والمجموعة الاجتماعية هي علاقة دلالية، والعلاقة بين الإشارة والإشارات الأخرى هي علاقة تركيبية أما العلاقة بين الإشارة ومستعمليها فهي علاقة وظيفية"(25)‏

إن العامل النفسي في إدراك القيمة الدلالية للعلامة ذو أهمية بالغة، فافتراض وجود الكفاية اللغوية عند المتكلم يتوق إلى تحليل نفسي للمتكلم
) لضبط هذه الكفاية مروراً بتحليل التركيب اللساني، ولذلك فالتحليل موحد بين اللسانيات النفسية، أوعلم النفس اللساني psycholinguistiques) دون إغفال المركب الدلالي في العملية التي تتناول السلوك الكلامي بقصد الوقوف على البنى الذهنية المشكلة لدلالته، فالإحاطة بالجانب التصوري في العملية التواصلية يساهم بقسط وفير في اكتمال حلقات الفعل الدلالي…‏

إن ماهية علم الدلالة
- كما أوضحناها- تنأى عن كل تأطير وحصر، كما أن المباحث اللغوية الحديثة لاتخاذها طابع الشمولية في التناول والطرح، لا زال معها الدرس الدلالي يراوح مكانه ضمن المبحث السيميولوجي العام بين تحديد الماهية العامة، وتحقيق الأبعاد في إطار النظرية السيميولوجية الشاملة التي تحاول وضع المفاهيم الدلالية رهن التحقيق في المنظومة الاجتماعية الحديثة التي عجت فيها المعارف والعلوم، واحتيج في سبيل استثمارها لأنساق لسانية دقيقة قد تضاف إلى النظم السيميائية غير اللغوية لأحداث وعي سيميولوجية، تتحقق معه النهضة المبتغاة.‏

(1)
د
.أحمد مختار عمر، علم الدلالة، ص22.‏

(2)
د
.فيدوج عبد القادر، دلالية النص الأدبي، ص7.‏

(3)
فايز الداية، علم الدلالة العربي، ص
99.‏

(4) Les grands courants de la linguistique moderne Maurice le roy) P.45.‏

(5)
موريس أبو ناضر، مدخل إلى علم الدلالة الألسني، مجلة الفكر المعاصر، العدد
18/19، السنة 1982، ص32.‏

(6)
بيار جيرو، علم الدلالة، ترجمة منذر عياشي، ص
72.‏

(7)
سالم شاكر، مدخل إلى علم الدلالة، ترجمة محمد جباتين، ص
4.‏

(8)
ميشال زكريا، الألسنية
: علم اللغة الحديث، ص211.‏

(9)
محمد مصطفى بدوي، كلوردج، ص
97.‏

(10)
بيار جيرو، علم الدلالة، ترجمة منذر عياشي، ص
133.‏

(11) Initiation aux problemes des linguistiques contemporaines, C.Fuches et P. le Goffic, P.72.‏

(12)
ج
.غريماس، البنية الدلالية، ص97 من مجلة الفكر العربي المعاصر، ترجمة ميشال زكريا، العدد 18/19 السنة 1982.‏

(13)
سمات المعنى
: وحدات المعنى الصغرى.‏

(14)
المرجع السابق، ص
97.‏

(15)
عبد القادر الفاسي، الفهم في اللسانيات واللغة العربية
.. ص45.‏

(16)
المرجع السابق، ص
65.‏

(17)
المرجع نفسه، ص
66.‏

(18)
المرجع نفسه، ص
67.‏

(19)
المرجع السابق، ص
67.‏

(20)
د
.فيدوج، دلائلية النص الأدبي، ص9.‏

(21)
المرجع السابق، ص
9-10.‏

(22)
المرجع نفسه، ص
6-7.‏

(23) Essais de linguistique generale Roman Jakobson, P.101-102.‏

(24)
د
.عبد المالك مرتاض، بين السمة والسيميائية، ص9 مجلة الحداثة، العدد الثاني، 1993.‏

(25)
دلائلية النص الأدبي، فيدوج، ص
15.